الصفحة 70 من 254

بمثل هذا الإخلاص يمتد عمر الخير في الأرض وتنتعش المثل العليا في العالم. وإنى عندما أتأمل في تاريخ الأئمة الذين فرضوا فقههم على عصور طويلة لا أجد ذلك عائدا إلى رسوخهم في العلم وحده، بل أجد أن رسوخهم في الإيمان واستعذابهم التضحية في ذات الله وتفانيهم في قول الحق وإعلانه ومجابهة العامة والخاصة به هو الذى سبق بهم، وأعلى قدرهم، وأبقى على الآماد ذكرهم... في ميدان النقد والمعارضة: كان أبو حنيفة يكره استبداد الملوك على عهده ويضيق بمسالكهم، ويبسط لسانه في نقد سياستهم حتى قال له تلميذه زفر:"والله ما أنت بمنته حتى توضع الحبال في أعناقنا !!!". ولكن أبا حنيفة لا يخشى الشنق ولا أن يجر في الحبال. إنما يخشى الله ويحب أن تصان الأمم من لوثات هؤلاء الملوك الجائرين. من أجل ذلك أزور عنهم يوم رغبوا إليه أن يتولى لهم القضاء. لقد أرادوا أن يكسبوه إلى جانبهم، وأن يكسروا حدة المعارضة لهم بمثل هذه السياسة الذكية، غير أن الرجل الكبير أبى، واعتصم بدينه وخلقه، فلم يبع دينه بعرض من الدنيا. قال المؤرخون: كان"ابن هبيرة"واليا على الكوفة في العهد الأموى، فلما ظهرت الفتن بالعراق جمع الفقهاء ببابه، وولى كل واحد منهم صدرا من عمله. وأرسل إلى"أبى حنيفة"، وأراد أن يجعل الخاتم في يده، فلا ينفذ كتاب إلا بإذنه، ولا يخرج شىء من بيت المال إلا من تحت يده. فامتنع أبو حنيفة ! فحلف"ابن هبيرة"إن لم يقبل أن يضربه!! ص _077

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت