فهرس الكتاب
.ولمالك فقيه دار الهجرة مسلك آخر، يتفق مع أبى حنيفة في النية والوجهة، ويختلف معه في الوسيلة. فقد رأى هذا الإمام أن يقترب من الحاكم، وأن يقيم معه بعض العلائق. ولكن حاشاه أن يكون هذا القرب استكثارا من الدنيا أو استطالة على الناس. وماذا يفعل"مالك"عندما يكتب له المنصور:"إن رأيت ريبة في عامل المدينة، أو عامل مكة، أو أحد عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك أو سوء سيرة في الرعية فاكتب إلى بذلك أنزل بهم ما يستحقون. وقد أكتب إلى عمالى بها أن يسمعوا منك ويطيعوك في كل ما تعهد إليهم، فانههم عن المنكر ومرهم بالمعروف تؤجر على ذلك ، وأنت خليق أن تطاع ويسمع منك". إن هذا الخطاب اللبق لا يزيد عن أنه ييسر لمالك الرقابة على أعمال الموظفين والولاة كى يضبطها بحدود الله ومعالم شرعه، والنكوص عن هذا لا مسيغ له. أما أبو حنيفة فكان يعترض ابتداء على أساس الدولة وأشخاص الخلفاء، ومن ثم أبى أن يتعاون معهم بأى شىء، وآثر أن يشتغل بالتدريس لعامة المسلمين وحدهم. وقد قيل لمالك:"إنك تدخل على السلاطين وهم يجورون ويظلمون". ققال لحدثه:"رحمك الله! وأين التكلم بالحق؟". وقال مالك في نصيحة عامة:"حق على كل مسلم أو رجل جعل الله في صدره شيئا من العلم والفقه أن يدخل إلى ذى سلطان فيأمره بالخير وينهاه عن الشر ويعظه، لأن العالم إنما يدخل على السلطان لذلك. فإذا كان ذلك- ما يبغى بدخوله- فهو الفضل الذى ما بعده فضل...". وإخلاص مالك للحق وحده جعله يتحرى وجه الله في علاقاته بالحاكم والمحكوم جميعا، فلم يفرط هذا الإمام الضخم في حقوق ربه، وإن أحاطت به أسباب التجلة الرسمية وانساقت إليه هدايا السلطان!! سأله الجمهور عن حكم الأيمان التى يستوثق بها هؤلاء الخلفاء لأولياء العهد بعدهم؟ فأفتى مالك بأنها لا قيمة لها. ص _079