الصفحة 73 من 254

وذلك أن الخليفة كان يحب تمليك ابنه من بعده فيحتال على ذلك بأن يجمع الأعيان والوجهاء والقادة والفقهاء ويحلفهم بالطلاق والعتاق أن يطيعوا ابنه إذ ما هو فارق الدنيا !! فجاء مالك ورفض هذه الأيمان كلها وعدها وليدة إكراه سياسى، وأن صاحبها لا يلزمه الوفاء بها. واغتاظ الحاكم العباسى من هذه الفتوى، وأصدر أمرا بالقبض على مالك وتعذيبه حتى يرجع عنها. وأبى مالك إلا الثبات على حكم الله. وانهالت عليه السياط الكاوية وهو يتجلد. وترك بعد أن حدثت له عاهة في جسمه، فقيل: إنه لم يستطع تحريك إحدى يديه من إثر هذا العدوان حتى مات! يقول الأستاذ أمين الخولى- وعنه أثبتنا النقول التاريخية السابقة في أنباء مالك-:"لقد تبدو هذه المحن بادى الرأى لطخات سوداء في صورة الحياة إذ كانت ضربا وتعذيبا وامتهانا لكرامة رجال ذوى علم وحرمة، وقد يكونون ذوى سن عالية في أكثر الأحيان. لكن الباحث المدقق المستشف لما وراء المظاهر الفردية والسطحية يقدر فيها الجانب الاجتماعى، ويقيس بها تقدم الإنسانية وكسب الحرية الآدمية فتبدو هذه المحن لمعات وضيئة في ظلام الحكم الفردى القاسى. إذ هى صمود لهذا الحكم يهز من جبروته، ويحد من قسوته، ويسجل بقاء الشعور بالكرامة الإنسانية والحرص على أداء الأمانة الاجتماعية التى حفلها الله أهل العلم، فهم بها أهل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) . والإحساس بهذا الواجب على أصحاب العلم وحملة الأمانة وفضلهم حين يحتملون في سبيل أدائه ما يحتملونه هو إحساس قديم خالج النفوس في تلك العصور. ص _080"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت