فهرس الكتاب
ويبدو في مثل قول"عمر بن عبد العزيز"ذى القلب الحساس: ما أغبط أحدا لم يصبه في الأمر- بالمعروف- أذى!! وهى كلمة كان يرددها مالك، ويذكر معها بعض من أصيبوا في هذا الأمر كسعيد بن المسيب وغيره. وسعيد أحد أعلام الأئمة، بل هو سيد التابعين وله في قوة النفس مواقف مشرفة فقد دعى إلى بيعة عبد الله بن الزبير فأبى فضرب. ودعى إلى البيعة لسليمان والوليد بولاية العهد فلم يفعل فضرب وطيف به في المدينة وذلك كله لما في عنقه من بيعة لم يرد أن ينقضها لهواهم. وفى الحق أن الحديث عن الممتحنين في تاريخ الإسلام هو الحديث عن معارك الحرية الفكرية والاجتماعية في هذا التاريخ وسجل المقاومة الكريمة لأصحاب السلطان الباطش، والهوى الجامح...". والمهم ليس سرد المواقف الماجدة لأصحاب القلوب الكبيرة الذين ينعم بهم القدر على أمم شتى. ومع أن سعيدا والأوزاعى وأبا حنيفة ومالكا وأمثالهم رجال صنعهم الإسلام أولا وآخرا، فسيرتهم شهادة صدق على أنه يصنع حماة الحق وأئمة الجهاد والتضحية، إلا أننا نؤثر إظهار ما يؤديه الجنود المجهولون في ميدان الكفاح الأدبى لإعلاء قدر الإيمان والعدالة. وآثار هؤلاء هى التى استبقت الجماهير على كر العصور تحتقر الجور والفسوق والعصيان وتكن العداء أو تعلنه للمارقين عن أمر الله. لقد طوى ظلام الحكم الفردى في الأزمنة القديمة شعوبا غفيرة، ورأينا الأكاسرة والقياصرة والفراعنة يحكمون لا معقب لحكمهم! ونضح هذا على بلاد الإسلام- للأسف- في شكل توارث الخلافة، وهو توارث دخيل على تعاليم ديننا بلا مراء. بيد أن الأئمة المبرزين والعلماء المذكورين والمغمورين والألوف المؤلفة من الرجال الغامضين أقاموا من روح الإسلام سياجا يكفكف هذا الشر ويقلم أظافره، ويقوم إلى حد بعيد مقام مجالس الشورى التى انتظمت هيئاتها في العصور الحديثة. ص _081"