الصفحة 75 من 254

فليس للملوك حق إلهى يسيطرون باسمه على الناس، وكم من خليفة خلع وسجن وقتل. ثم إن الإسلام ألقى كلمته في الأصول والفروع، فإذا خطب الخليفة قبل صلاة العيد قيل: أخطأ الخليفة. وإذا أخذ مالا ليس له قيل: غصب الخليفة.. إن معالم الحلال والحرام التى شرحها الإسلام للخلق كافة حددت المنازل والقيم، فمن انتهى إليها فهو عبد صالح.. وإلا فهو خارج على دين الله ولو كان أمير المؤمنين. وإدراك هذه المعالم مشاع بين الكبار والصغار والخاصة والعامة.. ربما كانت قضايا الفقه وقواعد التشريع من اختصاص العلماء الدارسين. أما قضايا الاستقامة والعوج والعدالة والحيف والتقوى والفجور، وأما الفرائض الجامعة والشعائر الواضحة.. فتلك كلها أمور يعرفها العامة ويحكمون على الملوك والسوقة في ضوئها حكما قريبا.. ونترك عصر الأئمة الأربعة وأصحابهم، والأيام اللامعة الأولى ونقفز اثنى عشر قرنا من تاريخ الإسلام، فماذا نجد؟ نجد علماء الدين يجتهدون في المحاماة عن حقيقة الدين وحقوق الناس كلما حاولت أهواء الأقوياء طمرها.. ويحسون كأنهم نواب عن الجماهير في ضمان مصالحهم، وإقرار العدالة التى ينشدونها. ففى أوائل القرن الثانى عشر للهجرة، وبعدما اشتدت وطأة الحكم الفردى نسمع أن أهل الأسواق أصابهم غبن من وراء تزييف النقود، فاجتمعوا ودخلوا الجامع الأزهر وشكوا أمرهم إلى العلماء، وألزموهم بالركوب معهم إلى الديوان- مقر الوالى التركى- فأمر الباشا بعقد اجتماع حضره الأمراء وضباط الجيش، واستقر رأيهم على خطة محددة أزالت الشكوى. وفى سنة 1148 هـ نسمع أن الخليفة العثمانى أصدر أمره بإبطال بعض المرتبات التى كانت تصرف في وجوه البر العامة، فلما قرئ على العلماء المرسوم الصادر بذلك. ص _082

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت