الصفحة 83 من 254

ولذلك لم يشعر الجمهور المسلم بحرج عندما قامت على أنقاض الماضى دولة جديدة ترفع علم الإسلام وتصارع دول أوروبا كلها وتنفذ إلى أحشائها من الشرق والجنوب، تلك هى دولة الأتراك العثمانيين.. لكن القيادة التركية للإسلام لم تكن موفقة، ولا مسددة، وقد قلدت كل الأخطاء التى وقعت فيها القيادة العربية من قبل. وأضاف إلى ذلك أن الحصانات القديمة ضعفت أو تلاشت، فأصبح العالم الإسلامى جسما تغالبه العلل دون أن تلقى الجراثيم الفاتكة مقاومة تذكر، فلا عجب إذا تعرضت هذه القيادة للمصير نفسه. وكما أطاح التتار بالخلافة العباسية ببغداد، طاحت الخلافة العثمانية في الآستانة . وإن اختلفت أساليب السقوط ومظاهر الضياع.. ولو أن خلافة إسلامية أخرى قامت ومشت في الطريق التى سلكها العباسيون والعثمانيون لصحبتها ذات العلل القديمة، ولأوردتها الحتوف بعد قرن أو قرون!! لماذا لا تدرس الأخطاء السابقة، ويؤخذ الحذر من معاودة الانزلاق إليها؟ إن الإفادة من التجارب شأن أولى الألباب في كل زمان ومكان. وفى عصرنا هذا أقام الفرنسيون جمهورية رابعة وضعوا في دستورها ما يجنب بلدهم فوضى الحريات الحزبية التى جعلت فرنسا مضرب المثل في تغير الوزارات الحاكمة.. فلماذا لا يحذو المسلمين حذو سائر الخلق، فيبتعدوا عما أزلهم الشيطان إليه مثنى وثلات ويقيموا حكما إسلاميا أقرب إلى الصواب منه إلى الخطأ؟ بل أقرب إلى الإسلام نفسه وأنأى عن دعاوى الأسر الدعية، وجنون الأفراد العالين في الأرض؟؟ ذلك ولدينا كتاب ينطق بالحق، ويحدد المنهج والغاية، ولدينا سنة مدروسة مأنوسة تقدم"مواصفات"كاملة للحكم الراشد، فلن يعجزنا أن نصون حاضرنا ومستقبلنا بعد كل هذه الأضواء. وبديهى أن تكون الحكومة في الإسلام صدى رغائب الأمة وعزائمها وأداتها إلى بلوغ ما تهوى، أما أن يكون الأمر بالعكس فتكون الحكومة مفروضة بالرهبة والرغبة أو بالسلاح والرشوة فليس هذا بإسلام. ص _090

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت