الصفحة 84 من 254

والأمة الإسلامية نفسها أمة تحب دينها وتحرص على إقامته، وتريد إرادة جازمة أن تصطبغ به ظاهرا وباطنا... وقد قاومت على مر القرون- بالقلب واللسان- انحراف الحاكمين، وقدمت بسماح وشجاعة كل التضحيات التى تفرض عليها لحماية الدين. ونحن نلحظ- دون كد- جرثومة خبيثة تفتك بالسياسة الإسلامية وتدع فراغا سيئا بين الأمة والدولة، تلك هى طريقة اختيار الحاكم الذى يلى الأمور، ويقود الأمة إلى ما تعرف وتقر من أهداف. ونحن نريد استئصال هذه الجرثومة لا تركها، والتغلب على ما تنشئ من علل وأوجاع. ويخيل إلى أن هناك نقصا في تفكيرنا الفقهى يجب تداركه على ضوء ما وعينا من تجارب تاريخية، وعلى ضوء ما وعى العالم كله من كفاح للطغاة والمستبدين. إن من أخطاء الفكر الإسلامى الأولى أنه بذل جهدا مضنيا في بحوث ما وراء المادة، فبدد بهذا قدرا كبيرا من طاقته دون جدوى ولغير سبب، وخالف بهذا التفكير منهج القرآن الكريم في البحث والنظر!! فإن الله في كتابه أمرنا بالتأمل في المادة لا فيما وراءها. وفى الكون المشهود لا في المغيبات المفترضة والموهومة. وهذا العوج الفكرى- الذى حاربه العلماء المحافظون- أساء إلينا في ناحية من حياتنا الاجتماعية والثقافية... وثم عوج آخر أساء إلينا في حياتنا السياسية وهو- فيما أرى- نقص معالم الفقه الدستورى من حياتنا الفقهية الرحبة مع وفرة مادته في مواريثنا السماوية، ومع الحاجة الماسة إليه في سيرنا التاريخى الطويل. وأعنى بالفقه الدستورى هذه الدراسات التشريعية التى تحدد وظيفة الحاكم وصلته بالأمة والسلطات التى يملكها، وطرائق الشورى التى فرضها الإسلام عليه، والحقوق والواجبات المتبادلة بين شتى الأجهزة الإدارية التى تشكل عموما نظام الدولة. ص _091

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت