الصفحة 85 من 254

إن كلمة"وأمرهم شورى بينهم"لا يكفى أن يلقيها واعظ من فوق منبر، أو يرسلها قارئ في الهواء، فلا تأخذ مجراها في الحياة العامة قوانين ملزمة واختصاصات واضحة. صحيح أن الأمة تدارست في حلقات العلم حقائق كثيرة في ذلك المجال، لكن هذه الدراسات لم تأخذ طريق الاستبصار والاستبحار الذى يقدم للمجتمع الإسلامى ضمانات وثيقة، فلا يتعرض للأزمات التى تمكن منه حاكما مسعورا، أو التى تقوده كارها إلى طريق الدمار... إن الفقه الإسلامى- في ميدان العبادات والمعاملات- حفل بأخيلة تجعل المرء يضحك حينا، وتجعله يدهش أحيانا لخصوبة الأذهان التى تعرضت لأبعد الصور وأعقد القضايا بالتقريب والحل، ومع ذلك فإن هذه الناحية الدستورية لم تأخذ من العناية ما أخذته أبواب الغسل في العبادات، ولا ما أخذته أبواب البيوع في المعاملات..!! ومن يدرى؟ لعل الانحراف الأساسى في تكوين السلطات العليا هو الذى أغرى بتلك النقائض !! وفى رأيى أن الإفادة من تجارب البشر في هذا الميدان عظيمة الجدوى. إن البشر- في أقطار فيحاء وعلى آماد متطاولة- لدغتهم آثام الحكم الفردى، ونهشت لحمهم، فلا عجب إذا عملوا بنداء الفطرة على تحصين أنفسهم ضدها، وعلى وضع الدساتير التى تتضمن العبر المستخلصة من صراع الظالمين معهم، وصراعهم مع الظالمين.. وليس هذا نقلا لفكر أجنبى يزاحم مواريث الدين أو يوهم بعدم كفايتها لحاجات العصور. كلا، إنما هو نقل لوسائل متجددة بطبيعتها لتحقيق الغايات التى جاء بها الدين، ولإنفاذ النصوص التى تضمنها.. إن الله نهى عن الظلم فيما أنزل من وحى.. ص _092

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت