فهرس الكتاب
"فى اليوم الحادى والعشرين من شهر جرمنيال 14 إبريل سنة 1800"أنذرت بولاق بالتسليم فرفض أهلها كل إنذار، وأجابوا بإباء وكبرياء أنهم يتبعون مصير القاهرة وأنهم إذا هوجموا فإنهم مدافعون عن أنفسهم حتى الموت. فأخذ الجنرال"فريان"يحاصر المدينة وبدأ يصب عليها من المدافع ضربا شديدًا أملا منه في إجبار الأهالى على التسليم. ولكنهم أجابوا بضرب النار، فأطلقت المدافع قنابلها على المتاريس، وهجم الجنود على الاستحكامات فاقتحموا أكثرها، وظل بعضها يقاوم، واستبسل الأهلون في الدفاع، ولجأوا إلى البيوت فاتخذوها حصونا يمتنعون بها، فاضطر الجنود إلى الاستيلاء على كل بيت منها والتغلب عليه بقوة الحديد والنار. وبلغ القوم في شدة الدفاع حدا لا مزيد بعده. وفى هذا البلاء عرض العفو على الثوار فأبوه واستعر القتال، فجعلنا المدينة ضراما وأسلمناها للنهب وصار أهلها عرضة لبطش الجنود وتنكيلهم، فجرت الدماء أنهارا في الشوارع، واشتملت النار أحياء بولاق من أقصاها إلى أقصاها. وعادت تلك المدينة العامرة الزاهرة هدفا للخراب، وأكلتها أهوال الحرب وفظائعها، ولما بلغت المأساة مداها، طلب الأهالى التسليم فأجيبوا إلى طلبهم. ولكن بولاق ستظل زمنا طويلا تتردى في هاوية الخراب إلى أن تستطيع النهوض من أعباء الكوارث التى حلت بها، فإن معظم بيوتها أصبحت ركاما من الخرائب والأطلال المحترقة. ولقد مضت ثمانية أيام والنار تلتهمها ولا تزال تشتعل فيها". أ. هـ هذه صورة حى بولاق في بطولته ومقاومته واستشهاد أهليه وما أصابه من هدم وتحريق وتخريب. ولم تختلف صور الأحياء الأخرى كثيرا عن هذه الصورة. فإن الثائرين لم يستسلموا- كما أسلفنا- إلا بعد أن جاهدوا جهاد المستميت. فلما استنفدت قواهم ونفدت ذخائرهم توسط العلماء لطلب الصلح، ووافق الفرنسيون، ولكنهم- كعادتهم- لم يكونوا كراما فقد انتقموا من المدينة وسكانها أقسى انتقام فخربوا ما لم يخرب، ونهبوا ما لم"