المسألة الثالثة: الإحسان إلى الكفار الذين أمر الله بالإحسان إليهم، وهذه المسألة قد خلط فيها كثير من الناس؛ لم يفرق بين الإحسان والبر إلى الكفار وبين التولي والموالاة؛ فوقع بعضهم في شراك خطير ومنعطف صعب لم يسلم منه إلا من سلمه الله تعالى؛ قال تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [الممتحنة: 8] ؛ في هذه الآية ذكر الرب سبحانه وتعالى أنه يحب العدل في الأقوال والأفعال؛ حتى مع الأعداء الذين لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم؛ لذلك حث المسلمين على أن يحسنوا إليهم بالطعام والشراب والأقوال والأفعال؛ بل جاء في القرآن الكريم في غير موضع وكذلك السنة المطهرة أن الإنسان المسلم يجوز له الإحسان إلى والديه وأن يصاحبهم بالمعروف ولو كانوا على غير دينه، وهذا لا يخفى على العارفين المطلعين بعين البصيرة؛ قال تعالى: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } [لقمان: 15] . وبعد هذا كله هناك مسألة مهمة جدًا نستطيع أن نستنتجها مما تقدم؛ وهي أن أهل الكتاب وغيرهم إذا كانوا في بلاد المسلمين وقد جاؤوا إلى عمل أو أمر ما فإنه يجب حمايتهم ومنع الشر عنهم، ولا يجوز أذاهم ولا قتلهم؛ لأنهم في عهد وذمة ولاة أمر المسلمين أو المسلمين عمومًا؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل معاهدًا لا يجد رائحة الجنة» [1] . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أجرنا من أجارت أم هاني» [2] .
(1) رواه مسلم.
(2) رواه البخاري كتاب الجزية ومسلم كتاب المسافرين.