فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 161

وليست تابعة لغرف الفندق التي أظن أن عددها كان لا يزيد عن العشر غرف ويديرها مع مطعم المطار أحد أصحاب الفنادق في بغداد بموجب اتفاق مع الدولة.

واستيقظت في الصباح الباكر وأنا أفكر بمصير ذلك الطيار البائس وإذا بي أجده واقفا بالقرب من طائرته حائرا مشدوها وكان يعلم مسبقا بأن المطار لم يكن صالحا للطيران في تلك اللحظات. وكنت اشعر بما يشعر به من يأس وخيبة أمل ولم يكن لدي شيء أقوله له لان ارض المطار أصبحت كلها مستنقعا من الماء والطين ما عدا تلك البقعة المبلطة أمام المبنى TARMAC التي سبق ذكرها والتي تقع أمام مبنى المطار والتي لم يكن يزيد طوالا على مائتي متر حسب تقديري. وقد فوجئت عندما قال لي انه سيحاول الطيران فوق ذلك الشريط المبلط من الأرض. وفي هذه الأثناء حضر المسئول عن خفارة الصباح وهو ضابط الحركات السيد لورانس وأخبرته بالتفاصيل وسلمته الخفارة النهارية وكان الطيار مصمما على محاولته التي أشار إليها وقال انه يقوم بهذا الأمر على مسئوليته ثم صعد إلى الطائرة وأدار المحرك ليتأكد من سلامته ثم أشار بيده مودعا واتجه إلى بداية الأرض المبلطة ونحن ننظر إليه وأيدينا على قلوبنا ثم أعاد التجربة على المحرك وأعطاه أقصى قوته وكانت أجنحة الطائرة الصغيرة ترتجف وكأنها تعرف المصير. ثم انطلقت بأقصى قوتها ولأنها كانت مثقلة بحمولة الوقود للمسافات الطويلة فإنها لم ترتفع وخرجت من المنطقة المبلطة إلى منطقة الأوحال فهبطت سرعتها ولكنها ظلت مندفعة حتى اصطدمت بسور المطار المبني من الطين فأحدثت فيه فجوة كبيرة وانشطرت إلى شطرين مع ظهور لهب أزرق من محركها واستقر كل شطر في جهة وراء السور وركضنا نحو الطائرة بأقصى سرعة ثم غاصت أقدامنا بالأوحال ولم يكن أحد منا يتوقع أن يجد الطيار حيًا.

وكانت المفاجأة عندما وجدنا الطيار في مقعده بالقسم الخلفي المشطور من الطائرة مشدودا في مقعده بالأحزمة ولم يبد عليه انه قد أصيب بأذى ما عدا خدش بسيط في جبهته! فساعدناه على فك الأحزمة والخروج من المقعد الذي لم يتأثر بالصدمة وسار معنا الرجل مشيا إلى بناية المطار وهو يكرر بالإنجليزية وبلهجته الفرنسية"لا اعرف كيف نجوت من الموت"لقد نجا المسكين بجسده وماتت آماله وأحلامه. وظل ينتظر في فندق المطار حتى اصبح المطار صالحا ثم سافر بالطائرة الفرنسية المتوجهة إلى باريس تاركا وراءه طائرته المحطمة.

أما القصة الثانية التي تستحق الذكر فهي لحسن الحظ مضحكة. فقد اتصل بي ذات يوم مفوض الشرطة المسئول عن قسم الجوازات في المطار وقال إن بعض رؤسائه اتصلوا به بناء على خبر جاءهم من شركة الطيران الإمبراطورية البريطانية. إن أحد كبار أمراء الهند من الراجات جمع -راجا- (كانت مستعمرة الهند في تلك الأيام مقسمة إلى ولايات وكل ولاية أو مقاطعة لها زعيم فالولايات الهندوسية يسمى زعيمها"راجا"أما الولايات أو المقاطعات المسلمة فرئيسها يسمى"نواب"باستثناء مقاطعة حيدر أباد الدكن فمع أن غالبيته سكانها من الهندوس فان زعيمها مسلم ويسمى"نظام حيدر أباد") . وقال انه سيطلب زيادة من الشرطة للمحافظة على الأمن ولآداء التحية له. أما أنا فبقيت في برج المراقبة كالعادة عند وصول الطائرة ولم يتصل بي أحد حول هذا الموضوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت