فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 161

كذلك بدأت الدعاية الألمانية تضرب على وتر القومية وقد وجد العرب في هذه الدعوة تجاوبا مع طموحاتهم القومية التي بدأت مؤشراتها تظهر منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين متحدية الحكم في الدولة العثمانية حيث بدأ الصراع الخفي والظاهر بين القوتين التركية والعربية.

وتمر الأيام بسرعة وتستكمل ألمانيا استعداداتها وتفاجئ العالم بهجوم كاسح على بولونيا من الجنوب ويقابله هجوم روسي على بولونيا في الشمال وتعلن بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا وذلك في اليوم الثالث من شهر سبتمبر (أيلول) 1939 وقصة الحرب العالمية الثانية معروفة لا مجال لها في هذا المقام إنما ذكرنا هذه المقدمة كمدخل لانعكاسات هذه الحرب على البلاد العربية.

وكانت في العراق حكومة يرأسها نوري السعيد المعروف بميله وثقته المطلقة بالإنجليز وأراد أن يعلن الحرب على ألمانيا فوجد معارضة قوية من وزرائه ومنهم الفريق طه الهاشمي وزير الدفاع وأقنعوه بان المعاهدة العراقية البريطانية المعقودة بين البلدين لا تلزم العراق بإعلان الحرب ومع ذلك فان نوري السعيد سلم الرعايا الألمان المقيمين في العراق باعتبارهم أسرى حرب وتم نقلهم إلى الهند (راجع مذكرات طه الهاشمي ص 315) .

وكان لهذا التصرف من نوري السعيد ردود فعل سيئة وعدم رضى في كثير من البلاد العربية وفي العراق بصورة خاصة، كما ازدادت النقمة على البريطانيين ومؤيديهم عند الشباب المثقف العراقي ومجموعة كبيرة في ضباط الجيش وقادتهم أمثال صلاح الدين الصباغ ومحمود سلمان وفهمي سعيد وغيرهم.

وفي 15 من شهر أكتوبر من ذلك العام وصل إلى بغداد خفية الحاج محمد أمين الحسيني قادمًا من بيروت حيث كان يقيم هناك منذ هروبه من فلسطين والظاهر أن السلطات الفرنسية هي التي أشعرته بعدم الرغبة في إقامته هناك بعد أن أصبحت حليفة لبريطانيا (راجع كتاب الأسرار الخفية - عبدالرزاق الحسنى - الصفحة 41 - الطبعة الرابعة مطبعة منشورات دار الكتب- بيروت 1976) .

واصبح بيت المفتى بعد أن استقر به المقام ضيفا على الحكومة ملتقى لكثير من الشباب العراقي والفلسطيني ويستطيع القارئ ان يتصور ظروف العراق في ذلك الوقت فهناك مجموعة من الشباب داخل الجيش العراقي وخارجه متوثب يتأجج عاطفة ووطنية وحكومة تتولى السلطة متعاطفة مع الإنجليز وتسير في ركابهم في تيار شعبي معاكس. ففي تلك الأيام ظهرت علامات ونبتت بذور ثورة عام 1941 التي سأتحدث عنها ضمن مشاهداتي ومعايشتي لها في الفصول القادمة.

وينتهي عام 1939 ويأتي عام 1940 والأطراف المتحاربة تستعد للحرب الفاصلة في أوقاتها المناسبة. وما كاد شتاء ذلك العام ينتهي ويبدأ فصل الصيف بشمسه ودفئه حتى بدأت تلوح في الأفق بوادر ومؤشرات المعارك الفاصلة القادمة فانطلقت أبواق الدعاية في خط ماجينو الفرنسي ترد على أبواق خط سيغفريد الألماني المقابل له والعساكر من وراء الخطين تحتشد للمعركة المنتظرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت