فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 161

ولا شك أن الهزائم التي لحقت ببريطانيا وحليفتها فرنسا في العام المنصرم، قد وضعت الحلفاء في وضع خطير. فبعد استسلام فرنسا ظهر المارشال بيتان بطل معركة (فردان) المشهورة في الحرب العالمية الأولى، وكان محالًا على التقاعد وشكل حكومة فرنسية تعاونت مع الألمان، الذين دخلوا باريس فجعل مدينة (فيشي) المشهورة بمياهها المعدنية عاصمة له. وتشكلت الحكومة برئاسة المسيو لافال. وعند انتهاء الحرب بهزيمة ألمانيا حوكم الاثنان واتهما بالخيانة العظمى، وتم إعدام (لافال) . أما المارشال بيتان فقد حكمت المحكمة عليه بالحبس المؤبد، نظرا لتقدمه في السن وماضيه المجيد في الحرب الأولى. وكانت وجهة نظر بيتان ولافال أن ذلك التعاون تم على أساس تخفيف وطأة الهزيمة على الشعب الفرنسي ولكن ما كل مجتهد مصيب.

ومن هنا يظهر التناقص والتباعد بين الموقفين العراقي والبريطاني، فالوطنيون العراقيون لا يريدون توريط العراق في التزامات نحو بريطانيا، لا تنص عليها بنود المعاهدة. والبريطانيون الذين يخوضون حرب حياة أو موت، يريدون تأمين خطوط مواصلاتهم والدفاع عن آبار البترول، التي لا شك أنها هدف من أهداف ألمانيا من اجل الاستيلاء عليها لاستمرار عجلة الحرب إذا طال أمدها.

ولذلك لم يكن أمام مخططي سياسة الحرب في بريطانيا إلا أمرين لا ثالث لهما. فإما إن تكون في العراق حكومة موالية لبريطانيا قلبًا وقالبًا، أو الاحتلال العسكري وحماية المراكز الاستراتيجية الحساسة. ولهذا نراهم ظلوا يطرقون أبواب وزارة الهاشمي بعنف وبإلحاح، مطالبين بأمرين هامين. قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيطاليا، وإغلاق سفارتها، الذين يعتقدون أنها أصبحت مركزا للجواسيس وعملاء محور روما-برلين، ثم إبعاد الضباط لا سيما الكبار منهم الذين يخالفون هذه السياسة.

وهكذا نجد طه الهاشمي يقع بين نارين، نار الإنجليز ومطالبهم المعروفة ونار كبار الضباط وبعض الزعماء الوطنيين من عراقيين وعرب، ومنهم الزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني الذي قال عنه طه الهاشمي في مذكراته انه يعتبر التفاهم مع الإنجليز خيانة عظمى للقضية العربية. كذلك يذكر الهاشمي أن مندوب المستر روزفلت رئيس الولايات المتحدة الكولونيل وليام دونوفان، الذي زار بغداد والمنطقة، اخبره بعبارة صريحة أن الولايات المتحدة مصممة على مساعدة بريطانيا، لتمكينها من كسب الحرب وأن المندوب المذكور زار المفتى الحاج أمين وابلغه نفس الكلام. (مذكرات طه الهاشمي 1919 - 1943، دار الطليعة بيروت 1967 صفحة 403 و404) وظلت بريطانيا تسير على الخطة التي رسمتها بالتدريج، فقد تقدمت بطلب لتعيين سفير جديد لها هو السير كنهان كورنوالس وهو السياسي البريطاني المخضرم المعروف بدهائه وخبرته الواسعة في الشئون العراقية، حيث هو من الذين رافقوا الملك فيصل الأول منذ وصوله إلى العراق عام 1921 وظل يعمل كمستشار لوزارة الداخلية حتى طرده رشيد عالي الكيلاني عندما اصبح وزيرا للداخلية في وزارة ياسين الهاشمي عام 1935. ولاشك أن هذا التعيين كان مدروسا ومقصودا كذلك مارست بريطانيا ضغطها على حكومة الهاشمي، بعدم إعطاء العراق العملة الصعبة لشراء حاجاته الضرورية ومنها الأسلحة. وهذه نماذج في سياسة الضغط على العراق لقبوله السير في ركابها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت