فهرس الكتاب
وأشرت. وعندما أصبحت فوق الهدف قامت بالانقضاض عليه ملقية قنابلها التي أحدثت دويا هائلا، ثم ارتفعت واستدارت نحو الغرب من حيث أتت. وبعد لحظة عادت الطائرة الثانية التي كانت تحوم بالقرب من المكان واتبعت نفس الخط الذي اتبعته الأولى وبدأت بالانقضاض وكنت اسمع طلقات الرشاش التي وجهت نحوها حيث لم يكن لدى تلك القوات مدافع مضادة للطائرات. ولكن الطائرة في انقضاضها أصبحت على مرمى من رصاص الرشاشات وإذا بلهب ازرق ينبعث من تحتها وما هي لحظات حتى اختفت الطائرة وراء أشجار النخيل الكثيفة محدثة دويًا أقوى من دوي الطائرة الأولى نتيجة لاصطدامها بالأرض وانفجار القنابل التي كانت تحملها وعند ذلك ارتفع الهتاف من الحناجر وعلا التصفيق وزغردة النساء من الجماهير التي أثارها الانفجار الأول فجاءت واحتشدت عند الشاطئ لنهر شط العرب المقابل لبناية المطار وعلى امتداد الضفة اليسرى من مجرى الشط. وكنت وقتها اقف في شرفة برج المراقبة أراقب تلك الأحداث وكأني في حلم.
آخر يوم في الوظيفة
عندما خرجت ظهر ذلك اليوم متوجها إلى مكان عملي لم يخطر على بالي أن ذلك اليوم هو آخر أيامي في الوظيفة. ولكني عندما وصلت إلى المطار وشاهدت الاحتلال من قبل القوات البريطانية وسمعت أخبار المعارك التي وقعت صباح ذلك اليوم في منطقة الحبانية وسن الذبان وهجوم الطائرتين على القوات العراقية. شعرت بحراجة الموقف ورأيت ان الاستمرار بالوظيفة معناه التعاون والخضوع لأوامر المحتل، وهذا يتنافى ولا ينسجم مع مفاهيمي الوطنية والقومية. وقررت الرحيل بلا رجعة فاتصلت تلفونيا بمدير المطار الإداري علي فؤاد حمزه وشرحت له تفاصيل ما حدث منذ وصولي إلى ارض المطار، وأخبرته بعزمي ترك العمل وغادرت المطار في حوالي الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر. وكانت الأمور عادية والظاهر أن كثيرا من الناس لم يسمعوا بأخبار المعارك. ولكن قبل الغروب امتلأت الشوارع بالناس لا سيما عند المقاهي حيث توجد فيها الراديوهات فاقتربت من إحداها، ودخلت بين الزحام حيث الناس تتدافع نحو المذياع، وإذا بصوت أحد كبار الموظفين في مديرية الدعاية يذيع أخبار (الانتصارات) ورفع العلم العراقي فوق قاعدة الحبانية، فعلت الهتافات واشتد التصاق الناس بالمذياع ولا زلت أتذكر بعض كلمات من خطابه وهو يكرر بين حين وآخر قولوا إن شاء الله، قولوا إن شاء الله (تذكرت هذا الأسلوب الفاشل والقصير النظر عندما كانت تذيع إذاعة صوت العرب أخبار"الانتصارات"الوهمية في حرب الستة أيام عام 1967 بين مصر وإسرائيل وهكذا تتكرر الأخطاء وليس هنا من يعتبر) .
ومر اليوم الثاني ثم الثالث وكانت الناس تستمع للإذاعات الأجنبية وما تذيعه من أخبار عن المعارك وكانت تلك الأخبار في غالبيتها تختلف عما كانت تذيعه محطة بغداد. وهنا ازداد شك الناس وتخوفهم وبدأت الإشاعات التي ضد الحركة والتي معها تنتشر بين الناس واصبح جهاز الدولة في البصرة شبه مشلول. فالقوات العسكرية انسحبت إلى شمال البصرة، تاركه المدينة تحت رحمة قوات الاحتلال. ولم يبق للحفاظ على الأمن إلا قوات الشرطة التي أصبحت هي أيضًا تحت رحمة القوات البريطانية التي سيطرت على المراكز الاستراتيجية في منطقة البصرة وتولي قائم مقام أبي