فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 161

وفي صباح الجمعة التاسع في الشهر، التقيت بالدكتور في المكان المقرر الذي اتفقنا عليه وكل منا يحمل معه أمتعة خفيفة لا تلفت النظر، وأخبرني أنه سلم السيارة التي كان يستعملها للشركة، وكان الطريق الوحيد للخروج من البصرة هو عبور شط العرب إلى الضفة الشرقية في الشط. ومن هناك نواصل الطريق عبر بساتين النخيل إلى مدينة القرنة، حيث ترابط قوات الجيش العراقي التي انسحبت من البصرة. وعبرنا النهر بأحد الأبلام إلى منطقة كردلان وعند وصولنا إلى هناك شعرنا بشيء من الطمأنينة، حيث تخطينا المناطق الخطرة التي تتواجد فيها قوات الاحتلال. ومن هناك واصلنا السير مشيا على الأقدام فوق سداد النهر متجهين إلى منطقة اسمها (نهر حسن) ، بها أملاك تخص آل النقيب وكانت خطتنا تقضي المبيت هناك ثم مواصلة الذهاب إلى القرنة باستئجار أحد القوارب النهرية (البلم) .

وكنا نراقب الحركة في النهر وعلى الجانب الآخر وهي تسير بصورة اعتيادية. وقبيل الغروب وصلنا إلى المكان الذي نقصده، ولكننا لم نتعرف على المنطقة التي بها أملاك آل النقيب. فسألنا أحد المارة فأرشدنا إلى بيوت الفلاحين، ووجدنا بعض الصبية يلعبون ويمرحون خارج تلك البيوت، فتقدم منهم الدكتور شمس الدين وسألهم عن كبير العائلة، فذهب أحدهم داخل البيت وعاد ومعه الرجل الذي كان يقارب الستين من عمره، ذو لحية غلب عليها الشيب، بشوش الوجه، فرحب بنا ترحيبًا حارًا وكانت تبدو على محياه علامات الطيبة وبساطة الريف. وأخذنا إلى (السوباط) أو المضيف وهو المكان المعد لاستقبال الضيوف والزوار، وهو أشبه بالسرادق مبني من القصب وسعف النخيل، كما هو الحال في بيوت الفلاحين في منطقة البصرة وكان مفروشًا بالحصران. ثم احضروا بعض الوسائد كما جاءوا بفوانيس النفط للإضاءة. ثم جلس معنا هذا الرجل الطيب هو وأفراد عائلته من الرجال، فأخبرناهم بأننا ننوي الذهاب بكرة صباحًا إلى القرنة وطلبنا منهم أن يستأجروا لنا بلمًا مناسبا لهذه الغاية، ثم تركونا لفترة أخذنا فيها بعض الراحة وكنا نشعر بغاية التعب بعد تلك الرحلة الشاقة مع المسافة التي قطعناها مشيًا على الأقدام.

ثم عاد إلينا ذلك الرجل الطيب ومعه أولاده وأقاربه بعضهم يحمل الطعام والبعض الآخر يحمل فراش النوم وكان الطعام يتألف من الدجاج المطبوخ بالرز واللبن الرائب والتمر. وكان الجوع قد أخذ منا مأخذًا فاستمتعنا بتلك الأكلة اللذيذة التي لم نستطع بعدها مقاومة النوم.

واستيقظنا في الصباح الباكر وسرنا مشيًا نحو الشاطئ وكانت الشمس قد بدأت ترسل أشعتها الذهبية من خلال أشجار النخيل على شواطئ ذلك النهر العظيم الهادئ الذي كانت مياهه في أعلى مستوياتها بسبب موسم الفيضان. وكان السكون يخيم على جميع المنطقة. ثم عدنا إلى مكاننا فوجدنا الجماعة قد أحضروا لنا طعام الإفطار الذي تنبعث منه رائحة الخبز الساخن الذي جاءوا به من تنور البيت والذي يشتهر به الريف البصري.

وبعد الانتهاء من وجبة الإفطار أخبرونا أن البلم الذي أوصينا عليه بالانتظار فشكرنا الجماعة على تلك الضيافة السخية وودعناهم مواصلين رحلتنا النهرية نحو الشمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت