فهرس الكتاب
كان السكون يخيم على المنطقة بأسرها وهو سكون غير طبيعي يبعث الوحشة والقلق للنفوس لا سيما وأن المنطقة بأسرها أصبحت منطقة حرام ولم نجد طيلة رحلتنا أثرًا للحكومة فيها وهذا مما زاد في قلقنا فنحن الآن تحت رحمة أصحاب البلم لو أرادوا بنا شرًا أو أي جماعة تصادفنا حاملة نوايا الشر والعدوان. ولازلنا نسير بمحاذاة الشاطئ الشرقي من النهر متحاشين الجانب الغربي الذي قد تتواجد فيه بعض قوات الجيش البريطاني. وكانت وجهتنا مكان يسمى (نهر عمر) على الضفة الغربية من الشط وفيها أملاك للسيد حامد النقيب والمكان لا يبعد كثيرًا عن مدينة القرنة ولكنا قررنا أن لا نعبر النهر إلا إذا صرنا قريبين من المكان المذكور.
وكالعادة فقد كان في البلم اثنان من الملاحين واحد في المقدمة والثاني في المؤخرة وخط السير في المياه الضحلة والبلم يسير بالدفع بواسطة الرمح الذي يحمله (البلام) ويسمى محليا (المردي) . أما في المياه العميقة لا سيما عند عبور النهر فلا بد من استعمال الشراع إن وجد أو استعمال المجداف.
وواصلنا المسير بمحاذاة الشاطئ الشرقي باتجاه الشمال في ذلك السكون الكئيب الرهيب إلىما بعد الظهر حيث قاربنا منطقة (نهر عمر) على الجانب الآخر من النهر وبدأ البلم بعبور النهر وكانت مياه النهر كما ذكرت في أعلى مستوى لها حتى أنها تكاد تتجاوز السدود الطينية. وقد علمنا أن الجيش العراقي عند انسحابه من منطقة الماجدية إلى القرنة كسر بعض هذه السدود وأغرق منطقة الماجدية وما جاورها بالمياه لجعلها سدًا مانعًا لزحف القوات البريطانية إذا ما فكرت في ذلك وعند وصولنا إلى الجانب الغربي من النهر وجدنا بعض الفلاحين الذين يعملون في الأرض فسألناهم عن موقع أرض السيد حامد النقيب فأرشدونا إليها وكنا في الواقع على مقربة منها. وهناك وجدنا المسئول عن رعاية الأرض وهو يكون عادة من الفلاحين الذين لهم دراية في زراعة النخيل وممن اشتهروا بالصدق والأمانة ومن العادة أن تكون لهم حصة من فلاحة الأرض تزيد علي حصة الفلاح الاعتيادية مقابل تلك الخدمات. وقد استقبلنا استقبالًا طيبًا وقادنا إلى (المضيف) وقدموا لنا ما تيسر من الطعام لأننا أخبرناهم بأننا لا نستطيع الإقامة فترة طويلة لحرصنا على الوصول إلى القرنة قبل الغروب ثم ودعناهم بعد استراحة قصيرة وواصلنا المسيرة ونحن في هذه المرة أكثر اطمئنانًا وأمنًا لقربنا من القرنة ومشاهدتنا لبعض وحدات الجيش العراقي هنا وهناك وأظن أن مهمتها كانت استكشافية. وقبل الغروب بقليل وصلنا القرنة فحمدنا الله على السلامة واتجهنا إلى مقر قيادة الجيش فوجدنا بعض الضباط الذين لنا بهم معرفة سابقة فاستقبلونا استقبالًا طيبًا وأخذوا يوجهوا لنا الأسئلة عن الحالة في البصرة والعشار فأخبرناهم بما نعرف وكان قد وصل قبلنا مدير الشرطة مزاحم ماهر وقد وجدناه هناك عندما ذهبنا للسلام علي قائد الحامية العقيد رشيد جودت وكبار ضباطه وكانت لنا معهم جميعًا معرفة سابقة فرحبوا بنا ترحيبًا طيبًا. وقد علمنا أن مدير الشرطة انسحب مع قواته بعد المعركة التي دارت بينه وبين الجنود البريطانيين يوم الأربعاء كما سبقت الإشارة وذلك بموجب شروط تم الاتفاق عليها مع البريطانيين ومن تلك الشروط انسحاب الشرطة من مركز العشار بكامل أسلحتهم.