فهرس الكتاب
كان الطقس تلك الليلة حارًا رطبًا وكان من غير المحتمل البقاء داخل الغرف لذلك فقد انتشر الضباط والجنود للنوم بين أشجار النخيل ولا تسأل عن الحشرات والهوام على اختلاف أنواعها مما يجعل النوم في مثل ذلك الجو الخانق صعب المنال.
وفي صباح اليوم التالي علمنا أن القيادة أرسلت برقية إلى وزارة الدفاع في بغداد تخبرها بوصولنا وجاء الرد فيما بعد على أن يبقى الدكتور شمس الدين ليمارس عمله كطبيب مع الحامية في القرنة وأن أتوجه أنا إلى بغداد.
وانتهزت فرصة وجودي بين الضباط والجنود فسألتهم أن يخبروني بما حدث عندهم عندما أطلقت السفينة الحربية النار عليهم ثم عندما هاجمتهم الطائرتان.
وقد أخبروني بأن إطلاقه المدفع التي أطلقتها السفينة الحربية ظهر اليوم الأول من بدأ القتال نحو الماجدية مرت فوق سعف النخل ولم تحدث أي ضرر.
أما القنابل التي أطلقتها الطائرة الأولى فلم تصب أحدًا لأن الجنود كانوا منتشرين بين أشجار النخيل الكثيفة. أما الطائرة الثانية بمجرد اقترابها من المكان سارع الجنود إلى إطلاق النار عليها هذا من بندقيته وذاك من رشاشه والظاهر أن رصاصة اخترقت خزان البنزين فأشعلت فيه النار وهوت الطائرة وتفجرت القنابل التي كانت تحملها حال اصطدامها بالأرض. أما ملاحيها الاثنان فقد تناثرت أشلاءهما هنا وهناك وعلق قسم منها بسعف النخيل من شدة الانفجار.
السفر إلى العمارة
أقمت في مدينة القرنة يومين علمت خلالهما أنه تم ترتيب سفري مع بعض الموظفين الذين انسحبوا من البصرة إلى مدينة العمارة ومن هناك نواصل السفر إلى بغداد. ولم تكن الإقامة بالقرنة مريحة لا سيما في الليل حيث شدة الحر والرطوبة وكثرة البعوض كما ذكرت.
وسافرنا إلى العمارة بمجموعة من الباصات الصغيرة هيئتها لنا قيادة الجيش. وعند وصولنا العمارة ذهبنا لزيارة المتصرف والسلام عليه الذي كان يعرف بقدومنا ثم بعد ذلك توزعنا على بعض البيوت الفارغة التي خصصت لإقامتنا المؤقتة. وكانت مزودة ببعض أسرة النوم والحاجات الضرورية البسيطة. وقد علمنا أن المدينة تعرضت لغارات جوية وكان القصف موجهًا نحو الثكنة العسكرية وقد وقعت خسائر في الأرواح. وعلمنا في اليوم التالي أن هناك باخرة نهرية ستسافر إلى بغداد بعد الظهر وأنه تم ترتيب سفرنا عليها.
وذهبنا في الموعد إلى المكان الذي كانت ترسو فيه السفينة وكان معنا مجموعة من الضباط والجنود وبعض الموظفين من البصرة وأتذكر منهم الدكتور محمد ناصر وكان يشغل وظيفة مدير معارف البصرة كما كان معنا مدير ناحية شط العرب. وتحركت الباخرة وكانت وجهتها مدينة الكوت.