فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 161

وكانت تسير بمحاذاة شاطئ نهر دجلة الغرب وبدأ الجنود فوق ظهر السفينة ينشدون الأغاني الشعبية والأهازيج ويرقصون الرقصة العراقية المعروفة (الهوسه) وهي رقصة تثير الحماس في النفوس وسرعان ما تجمع الناس على شواطئ النهر ولا سيما الشاطئ الغرب التي كانت تسير السفينة ببطئ بمحاذاته. وبدأت الهوسات على الشاطئ واختلط بها الرجال والنساء والشيوخ والشباب على عادة سكان الأرياف العراقية وكان منظرًا حماسيًا مؤثرًا لا يمكن وصفه بهذه السطور القليلة.

كذلك كانت القوارب الصغيرة من أبلام ومشاحيف تساير الباخرة في سيرها البطيء في محاذاة الشاطئ مشاركة في ذلك المهرجان الشعبي وكأن الجميع في حفلة زفاف من حفلات ألف ليلة وليلة. وبدأت الشمس تميل إلى المغيب حتى اختفى قرصها الأحمر من وراء أشجار النخيل الباسقة وبدأ ذلك الحشد الكبير يتناقص شيئًا فشيئًا كما بدأت السفينة تزيد من سرعتها. وإن أنس فلا أنس تلك المرأة القروية العجوز التي كانت تجاري السفينة في سيرها وهي في مشحوفها تلوح بالغرافة (المشحوف قارب ريفي نهري يستعمله أهل الأهوار في جنوب العراق ويشبه الجندول الإيطالي ولونه أسود بسبب طلائه بالقار - والغرافة هي المجداف الصغير) انسجامًا مع أنغام (الهوسه) حتى إذا ما بدأت السفينة بالابتعاد صاحت بصوت عال وهي تبتعد"سلمونا على هترال"وكان المقصود هتلر زعيم ألمانيا!

وهنا لا بد من الوقوف في فترة تأمل في كيف وصلت الدعاية الألمانية إلى هذا الريف العراقي البعيد وكم تكررت هذه الدعاية حتى رسخت واستقرت في وجدان هذه المرأة الريفية العراقية العجوز. لا شك أن محطة إذاعة برلين باللغة العربية التي كان ينطلق منها صوت ذلك العراقي الموهوب يونس بحري بنبرات صوته الجذاب كان لها تأثيرها وصداها الواضح في العالم العرب أجمع في ذلك الوقت ولكني أستطيع القول أن تلك الدعاية القوية المركزة لم تكن لتنجح ذلك النجاح لو لم يكن عندها ذلك المعين من الانتصارات التي سجلها الألمان في بداية الحرب. فالدعاية الناجحة لا بد وأن يكون لها سندًا أساسيًا من الحقيقة والواقع حيث باستطاعة الداعية الموهوب استثمار تلك الحقائق والنجاحات. وهذا ما حدث بالنسبة للدعاية الألمانية في بداية عهدها. أما عندما توقفت تلك الانتصارات وانقلابها فيما بعد إلى هزائم، وصرنا نرى بوقتها أن عبقرية وزير دعاية هتلر (غوبلز) وشطارته وصوت يونس بحري الهادر لم تستطع كلها من تغيير واقع الأحداث. وفي ذلك درس وعبرة للذين يريدون أن يؤسسوا صروح الدعاية على الحقائق المزيفة وما بني على الباطل فهو باطل.

الوصول إلى مدينة الكوت

وقضينا ليلة مريحة على ظهر الباخرة فنمنا نومًا عميقًا تحت السماء الصافية والنسائم العليلة وكم كان الفرق شاسعًا بين تلك الليلة وبين الليالي القلقة التي مرت علينا منذ مغادرة البصرة. وعند الظهر وصلت الباخرة إلى الكوت وهناك رأى البعض منا أن نواصل الرحلة إلى بغداد بالسيارة بدلًا من البقاء على ظهر السفينة واختصار الوقت. وبعد استراحة قصيرة في إحدى المقاهي القريبة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت