فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 161

يحتاجون إليه من أسلحة ضرورية للدفاع" (توفيق السويدي - مذكراتي - نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية صفحة 372 - دار الكاتب العربي- بيروت - الطبعة الأولى 1969) ."

والواقع أن الكثير من المراقبين أو المشتركين في تلك الحرب كانوا يتصورون أن القيادة قد وضعت خطة سرية للانسحاب إلى الشمال لمواصلة القتال في ظروف أكثر ملائمة لا سيما وأن قوات فيشي الفرنسية المسيطرة على سوريا ولبنان كان بإمكانها أن تمديد المساعدة لتلك القوات بالتعاون مع الألمان المتواجدين بطائراتهم في مدينة حلب في ذلك الوقت.

العودة إلى البصرة

وبعد أن هدأت الأمور في بغداد قررت العودة إلى البصرة وكان لا بد من زيارة الزملاء في مديرية الطيران المدني لتوديعهم. فذهبت كالعادة إلى المكان المؤقت في نادي الرشيد ووجدت المدير العقيد الطيار أكرم مشتاق في مجلسه الذي اعتاد الجلوس فيه كل صباح تحت ظل تلك الشجرة الوارفة الظل وكانت نسائم الصباح لا تزال تحتفظ ببرودتها ونداوتها. وبعد السلام قلت للمدير أنا قادم لتوديعكم لأني مسافر بكره إن شاء الله إلى البصرة. فرد علي قائلا حسنًا تعمل ولا بد أن القوات البريطانية قد أخلت المطار الآن. فقلت له ولكني قررت أن استقيل فسألني مستغربًا ولماذا وما السبب ألم تطلع على بيان الحكومة الذي طالب جميع موظفي الحكومة الذين تركوا وظائفهم أن يعودوا إليها وأن تصرف لهم رواتبهم حسب العادة بدون النظر إلى مدة الغياب؟ قلت له هذا صحيح لا سيما بالنسبة لموظفي الدولة الذين أمرتهم الحكومة بالانسحاب مثل ما حدث في البصرة ولكن وضعي يختلف فأنا انسحبت من أول يوم بعد احتلال المطار وكان في ذلك تحد للسلطات البريطانية وسلطة الميناء وغالبية كبار الموظفين وهم من البريطانيين كما تعرف (قدمت دائرة الميناء راتب شهر إضافي مكافأة منها للموظفين الذين بقوا في وظائفهم خلال شهر مايو"أيار") . لذلك فإني أرى أن عودتي في هذه الظروف فيها شيء من المذلة وقد أتعرض للإهانة. فرد علي قائلًا نحن يهمنا أن تكون أنت وأمثالك في مثل هذه الوظائف الحساسة فإذا ذهبتم فإنهم سيأتون بجماعة قد لا نرتاح إليهم. عند ذلك شكرته على الثقة التي أولاني إياها وقلت له على أي حال أنا ذاهب الآن وسأراقب الوضع عن كثب ثم أتخذ القرار المناسب. وودعت الجميع وانصرفت وأنا مشتت الأفكار.

ووصلت البصرة في اليوم الثاني وعلمت فيما بعد بتعيين متصرف جديد اشتهر بالشدة فأرهب الناس بالاعتقالات العشوائية التي كان يتم أكثرها بسبب وشاية حاقدة من عميل للمباحث يترصد الناس ليسمع كلمة قابلة للتطوير والتحوير فيؤلف منها تهمه تجر الأبرياء إلى السجن أو الاعتقال لكي يثبت لرؤسائه أنه يقوم بالواجب الذي أوكل إليه وهذه مصيبة المجتمعات المتخلفة التي تهضم فيها الحقوق وتداس الكرامات. لهذا قررت أن لا أخرج من البيت إلا عند الضرورة. ولكي يدرك القارئ الكريم الحالة التي أصبحت عليها البلاد وردود الفعل التي خلفتها الحركة. ما ذكره توفيق السويدي عن تلك الفترة وما بعدها في مذكراته التي أشرت إليها فيذكر في الصفحة 392"فقد مر زمن أصبحت فيه البلاد تحت ظل احتلال عسكري، كل ذلك كان مبررًا بضرورات الحرب والضرورة الاستراتيجية التي كان الحلفاء يخصونها بأعظم الأهمية. ولكن الدولة أضاعت جميع سلطاتها وتغلغل النفوذ الأجنبي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت