فهرس الكتاب
الخلاصة
وكما أشرت سابقا، فليس من السهل على الباحث المتجرد من العاطفة والتحيز، والذي هدفه تقصي الحقائق المجردة، أن يرى الطريق أمامه ممهدا إذا ما أراد البحث في مثل هذه الأمور التاريخية وأشباهها، بالنظر لقلة المصادر، ولأن المنطقة بأسرها مرت في فترات طويلة مظلمة ساد فيها الجهل والدجل والتعصب والادعاءات التي لا يمكن أن تصمد أمام البحث العلمي النزيه. وبسبب تلك الفترة المظلمة، تأثرت عقول الناس بأشياء لا تمت إلى الواقع بصلة. ولهذا، فان أي شيء مكتوب ومؤرخ، يعثر عليه الباحث، تكون له قيمته الهامة في سجل الأحداث. ففي تلك الأيام المظلمة، قل من تجده يحسن القراءة أو الكتابة، ولولا تأثر الناس بالدين، وحرصهم على تعليم أولادهم قراءة القرآن الكريم، لكانت المصيبة اعظم. ومع كل هذا، فقد كان ذلك النوع من التعليم، قاصرا على طبقة من الناس، سمحت لهم ظروفهم بتعليم أولادهم ذلك النوع من التعليم، وهو حفظ القرآن ومبادئ القراءة والكتابة وشيء يسير من علم الحساب. أما غالبية الناس، فكانت تعيش في لجة من الجهل المطبق والأوهام والخزعبلات.
وأود العودة هنا إلى موضوع الجناعات أو القناعات، فأقول من باب الاجتهاد والاستنتاج المبني على المنطق والمتشابهات، أنهم بوضعهم الحاضر ينتمون إلى عدة بيوت أو عائلات، وربما أن الصلة قد توثقت بين هذه البيوت ليس فقط عن طريق النسب، بل عن طريق المصاهرة، تم انضوت هذه البيوتات فيما بعد تحت اسم العائلة أو القبيلة الواحد، وهذا ليس بالشيء المستغرب بالنسبة لكثير من العائلات والتجمعات في المنطقة وغيرها.
كذلك، أود أن أشير بأن الجناعات وليس القناعات، كما وردت في كتاب الشيخ يوسف بن عيسى، هي الكلمة المذكورة في الأوراق القديمة العائدة للعائلة أي الجناعات بدلا من القناعات، وهذا مصطلح جرى عليه عرب المنطقة في قلب القاف إلى جيم، كقولهم: جاسم بدلا من قاسم، وعبدالجادر بدلا من عبدالقادر. كذلك أود أن أشير هنا إلى ظاهرة تتعلق بتلك الأيام، وبساطة الحياة، وسهولة الانتقال، حيث لا حدود ولا قيود بالنسبة للأفراد أو الجماعات على حد سواء.
وللإنسان العربي طبائع وعادات خاصة به، أملتها عليه ظروفه التي تأثرت بعوامل جغرافية وتاريخية.
ومن هذا المنطلق، أصبح الإنسان العربي واحدا من اثنين إنسان رحل بمفرده أو جماعته إلى المدن القريبة من الأنهار أو البحر ذات الطابع الحضاري المستقر نسبيا، فاندمج بالمجتمع الجديد ومارس مهنة لم يكن له عهد بها من قبل مثل الزراعة وتعلم الحرف أو ركوب البحر، كما حدث في موانئ الخليج، ثم بدأ شيئا فشيئا يبتعد عن عادات الصحراء وتقاليدها وأصبح ولاؤه للأرض والوطن والأمة بدلا من الولاء للقبيلة خلافا لذلك البدوي غير المستقر، المتنقل طلبا للماء والمرعى، والذي ألف المخاطر وأصبحت شيئا من حياته، كما ألف حياة التقشف والحرمان، ولكن ظل محافظا على أهم شيء لديه وهو انتسابه لقبيلته التي يفاخر بها، وينظم الأشعار والقصائد في مدحها وقد يتعدى