بعد عودة العائلة من الريف إلى المدينة داومت بالمدرسة التي سبق أن فتحت أبوبها قبل عدة أيام من وصولنا والتحقت بصفي الجديد الذي رقيت إليه بعد نجاحي في الامتحان. وكنت كما ذكرت قد تأقلمت إلى حد ما مع مجتمعي الجديد سواء في البيت أو في المدرسة وحتى في الشارع حيث بدأت أتقن اللهجة البصرية بينما كنت في الماضي أتعرض للسخرية من بعض فتيان الحي بسبب لهجتي الكويتية.
وقد اختلفت الأمور بالنسبة للماضي الذي كنت أقضي فيه معظم الوقت في البيت بعد العودة من المدرسة وبدأت أعيش في آفاق اختلفت كثيرًا عن فترة السنتين الماضيتين.
كذلك ازداد حبي وتعلقي بالمدرسة وبزملائي في الصف وخارجه. ومما زاد في هذا الجو المريح معاملة المدرسين لنا باللين وتوجيه النصائح حتى كنا نرى في بعضهم المثال الأعلى، بخلاف تجربتي القاسية في"المطوع"الكتَّاب في الكويت.
وكما ذكرت في بداية البحث بان الإنجليز عندما تم لهم احتلال العراق في الحرب العالمية الأولى بادروا إلى تشكيل حكومة وطنية بعد ثورة الفرات المشهورة التي جعلت البريطانيين يتخلون عن الحكم المباشر للعراق وتسليم الأمور بصورة تدريجية إلى أهل البلاد حيث شكلوا أول حكومة عراقية برئاسة نقيب بغداد عبدالرحمن النقيب والذي كان قد تجاوز الثمانين من عمره علما بأن الهيمنة الحقيقية على الوزارة كانت بيد المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس الذي لعب دورًا هامًا في المنطقة خلال فترة الحرب وما بعدها.
وقد بدأت السلطات البريطانية منذ ذلك الوقت بوضع أسس التعليم في العراق على أسس مشابهة لما كان عليه الحال في مصر. لكن الأستاذ ساطع الحصري الذي جاء فيما بعد أجرى الكثير من التغييرات على تلك الأنظمة مخالفًا بذلك رأي الخبير البريطاني الذي كان مسئولًا عن دائرة المعارف بالعراق واسمه (فارل) .
ويقول الأستاذ الحصري في مذكراته أنه لم يكن ليقوى على الوقوف بوجه ذلك الإنجليزي المتعجرف لولا تأييد الملك فيصل الأول له تأييدًا مطلقا أدى في النهاية الى إبعاد (فارل) عن شئون المعارف واليك بعض ما جاء في تلك المذكرات كما يذكر الأستاذ الحصري انه قبل استلام مهامه التعليمية في العراق ذهب إلى مصر للاطلاع على شئون المعارف هناك لا سيما فيما يتعلق بتدريس اللغة العربية وطبع الكتب اللازمة لذلك فقد كانت مصر في ذلك الوقت متقدمة كثيرا في ذلك المجال بالنسبة لبقية الدول العربية كما كانت مصر رائدة في إنشاء المدارس الحديثة في أوائل القرن العشرين ويقول انه شاهد الاهتمام كان أكثر بالعلوم النظرية والأدبية وعدم الاهتمام الواضح بالعلوم الطبيعية التي لها علاقة بتقدم العلوم مثل الطب والهندسة والكيمياء وغيرها. كما يذكر أنه عندما تولى الملك فيصل الأول الحكم في العراق عام 1921 كان عدد المدارس الرسمية تسعين مدرسة وعدد المعلمين أربعمائة وثمانين والتلاميذ ثمانية آلاف ومائة وثلاثة وتسعين. وكان نظام التدريس يشبه ما كان عليه في مصر أي بثلاثة مراحل وهي أولي، ابتدائي، ثانوي.