وعلى هذا النمط تمر الأيام ويحل عام 1925 الموافق لعام 1343هـ وتحل معه المفاجآت المؤلمة بالنسبة لي حيث توفي جدي لامي في الأشهر الأولى من ذلك العام ولم تمضي أسابيع على هذا الحادث حتى أصيب الوالد بنزيف في الدماغ أصيب علي أثره بشلل نصفي ثم فارق الحياة في منتصف العام رحمهما الله جميعًا.
وبعد وفاة الوالد تولى الوصاية علينا أنا وأخي حمد أخونا الأكبر عبدالله بموجب وصية الوالد وكان أخي حمد قد جاوز السنة الرابعة من عمره وكنت أنا في الثالثة عشر (كان للوالد أربعة أولاد وهم عبدالله وسليمان وبدر وحمد. وبنت اسمها منيرة. وزوجته الرابعة وهي أم حمد بزة بنت يعقوب المطوع) .
وكانت عطلة المدارس الصيفية قد بدأت وقد مضت سنتان من زيارتي الأخيرة للكويت. وقد رتب أخي لي السفر على ظهر إحدى البواخر التابعة للشركة البريطانية الهندية والتي اعتادت سفنها زيارة مدن الخليج حيث كانت تحتكر هذه الشركة خطوط المواصلات البحرية بين الهند وموانئ الخليج. وقد تم حجز مكان على نفس الباخرة لزميلي في المدرسة وصديقي محمد سعيد السيد حامد النقيب وأخيه أحمد حيث اعتادا السفر في العطلة الصيفية لزيارة والدتهما في الكويت وأتذكر إسم الباخرة (بامورا) الذي كان مكتوبا على أمكنة كثيرة في الباخرة لا سيما على قوارب النجاة والطوافات المستديرة.
وقد كنت كالعادة كثير الشوق للعودة الى الكويت ولكني عند الوصول أدركت مدى الحزن والأسى الذي حل بالوالدة وأمها بسبب موت الجد وقد أدركت أن وصولي ولقائي معهما خفف من تلك الفاجعة التي عمتنا جميعًا. كنت أحمل معي كتابا من أخي عبدالله إلى الشيخ يوسف بن عيسى الذي هو خاله يوصيه بها برعايتي أثناء وجودي في الكويت وكذلك إجراء راتب شهري لي كان على ما اذكر ثلاثون روبية. وكانت للشيخ يوسف جلسة خاصة بعد الظهر يتولى فيها إعطاء دروس باللغة العربية والفقه لبعض الشباب الكويتيين علما بأن هذه الخدمات والخدمات الاجتماعية الأخرى مثل عقود الزواج أو الإفتاء في بعض المسائل الدينية والتي كان يقدمها للمواطنين بدون مقابل وهي عادة درج عليها بعض الكويتيين القادرين على خدمة أبناء بلدهم كما أشرت مثل الحاج أحمد الغانم والقاضي عبدالله الخلف الدحيان وغيرهم. أما أغنياء البلد فمعظمهم لم يبخل في أداء ما عليه من واجبات مثل أداء فريضة الزكاة أو مساعدة المحتاجين وهذا أحد الأدلة على التراحم والتلاحم في المجتمع الكويتي في تلك الأيام.
وانتهت عطله الصيف وتهيأت للسفر الى البصره وقد بدأت في تلك الأيام حركة نشطه للنقل البحري بواسطة القوارب البخارية التي تعود ملكيتها الى أفراد وتنطلق هذه الزوارق البخارية باتجاه جزيرة بوبيان الى خور الصبيه ثم الى خور الزبير وهناك بالقرب من الزبير ترسو تلك القوارب في رأس الخور حيث توجد بعض العربات التي تجرها الخيول أو بعض السيارات لنقل الركاب إلى الزبير والبصره. وقد صادف أن كانت عائلة كويتية من الأقارب مسافرة إلى البصرة فكانت مناسبة طيبة أن يكون سفري معها مما خفف علي الكثير من المتاعب (كان اسم صاحب ذلك الزورق البخاري ابن محطب على ما