وأتذكر انه من أمنياتي في ذلك الوقت أن تكون عندي دراجة وقد تحققت لي هذه الأمنية في تلك السنة وقد سبق أن تعلمت ركوبها من زميل لي في الدراسة كان يمتلك واحدة. والظاهر أن هذا التغير الذي حدث في مسيرة حياتي واتساع مجال اللهو أمامي قد أثر على حياتي الدراسية فنقصت الساعات التي كنت أخصها للدرس بينما كان المفروض أن تزيد بالنظر لمستوى الصف الذي نجحت إليه ولهذا جاءت نتيجتي في الامتحان وسطا بخلاف السنوات الماضية التي كنت فيها في مقدمة الناجحين. وربما أن يكون لتلك المرحلة أو ما يسمى الآن برحلة المراهقة ومنها اهتمام الشاب بنفسه وبمظهره ونظرته إلى الجنس الآخر والاعتداد بالنفس إلى غير ذلك مما هو معروف في مثل هذه المرحلة من العمر بالنسبة لكل من الجنسين أثره في ذلك.
وبدأت السنة الدراسية الجديدة، 1927/ 1928 وداومت في الصف السادس وهو الصف النهائي بالنسبة للدراسة الأولية والابتدائية وتكون الامتحانات فيه على نظام البكالوريا وهي أول شهادة رسميه تصدر في وزارة المعارف في بغداد وتسمى"شهادة الدراسة الابتدائية". وكانت الدروس أكثر صعوبة وأشمل في مواضيعها وتفاصيلها ولكن كما ذكرت كانت عندنا نخبه من الأساتذة المشهور لهم بالكفاءة في مجال اختصاصهم. كان عندنا مثلًا الشيخ محمد النبهاني مؤلف كتاب تاريخ البحرين وكان يدرسنا اللغة العربية والدين. وهو حجازي الجنسية وكان يلبس الزي الحجازي المعروف لرجال الدين. وكان عندنا من بين الأساتذة العراقيين عبدالفتاح إبراهيم وعبدالرزاق الناصري كما كان عندنا شاب لبناني من خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت اسمه شامل العطار وهو من طائفة الدروز. وكنا نحترم هؤلاء الأساتذة لمكانتهم العلمية والاجتماعية ولاهتمامهم بنا بصورة جدية. وكنا نشعر بالخجل إذا حدث منا أي تقصير.
وهذه على ما أعتقد من الأمور البديهية، فان شخصية الأستاذ ومدى إخلاصه في أداء الواجب تعمل عملها في مسيرة الطلاب وسلوكهم واهتمامهم بالدراسة. وحل موعد امتحانات البكالوريا النهائية وكانت الأسئلة موحدة ومفروضة على جميع مدارس العراق وتعد في بغداد ولم تكن سهلة ولم نسمع بالنتائج إلا بعد انتهاء العطلة لان أوراق أجوبتنا على ما اذكر أرسلت إلى بغداد وجاءتنا النتائج مع الشهادات فيما بعد من وزارة المعارف في بغداد وكانت نسبة نجاحي فوق المعدل بقليل والشهادة موقعة من مدير المعارف العام الجنرال طه الهاشمي العسكري المعروف والسياسي المخضرم. ومن الصعب التصور أن مثل هذه الدقة والانضباط والاهتمام في الدراسة الابتدائية تتم في بلد حديث العهد بالاستقلال الذي لم تكتمل مقوماته بعد مع وجود النفوذ الأجنبي الكثيف.
السفر إلى الكويت بواسطة السيارة
لقد حدث تطور هام في ذلك العام 1927 فقد أقدم السيد حامد النقيب الذي له جذور وارتباطات عائلية في البصرة والكويت بتأسيس شركة محلية سميت"شركة السيارات العراقية الكويتية"بعد أن حصل على امتياز لهذه الشركة من المغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح حاكم الكويت في ذلك الوقت (لقد حصل السيد حامد على الامتياز عام 1925 ولكن الشركة لم تبدأ أعمالها بصورة منظمة إلا في عام 1927 كما ذكرت) . وبدأت الشركة أعمالها بثلاث سيارات سياحية من طراز فورد. وقد