فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 161

بالمدرسة الثانوية ولكن حدث لي ما لم يكن في الحسبان فقد عاودتني الملاريا منذ الأيام الأولى من الدراسة وكانت شديدة الوطأة حيث لم تفد فيها العلاجات المعتادة. ونتيجة لذلك بقيت حبيس البيت والمرض فترة دامت حوالي الشهرين ذهبت بعدها إلى المدرسة فوجدت زملائي قد سبقوني بمراحل في الكثير من الدروس والتي بعضها كانت جديدة بالنسبة لي مثل دروس الجبر التي لا غنى للتلميذ في فهمها عن شرح المدرس ومعاونته.

وتحت تأثير تلك الظروف وما كنت فيه من وضع صحي ونفسي قررت عدم الاستمرار بالدراسة والعودة إلى البيت دون أن يكون في ذهني أي تصور لما ستكون عليه حالتي في المستقبل. ولقد أثار انقطاعي عن الدراسة استغراب الكثيرين من الأقارب والأصدقاء وحتى بعض المدرسين الذين كانوا يعرفوني فقد أسفوا للقرار المتسرع الذي اتخذته وبعثوا إلى بعض الزملاء من الطلاب لمعرفة الأسباب التي دعتني لترك الدراسة.

وتمر الأيام وتتحسن الصحة ويصفو الفكر ويعود الحنين للمدرسة وللزملاء وللأساتذة الطيبين ولكن بعد فوات الأوان وقد قاربت السنة الدراسية على نهايتها. وتحل العطلة الصيفية وتنتهي وتزيد عندي الرغبة في العودة إلى الدراسة ولكن هل التحق بالصف الأول ثانوي ومعظم زملائي نجحوا منه وانتقلوا إلى الصف الثاني وبقيت فترة أتخبط في أفكاري علني اهتدى إلى مخرج. وأخيرًا جاءت الفكرة إلى أن اطلب شهادة نقل لإحدى مدارس بغداد الثانوية حتى أتخلص حسب تفكيري في ذلك الوقت من ذل البقاء في الصف الأول ورؤية زملائي في الصف الثاني.

وذهبت إلى مدير المدرسة واسمه عبدالمجيد زيدان وأخبرته بقصتي باختصار وطلبت منه أن يزودني بشهادة الانتقال. وقد أدرك الرجل بخبرته مدى اضطراب وتفكيري غير المتوازن والأسباب الواهية في نظره التي تضطرني إلى طلب الانتقال إلى بغداد فلم يقنع بما قلت وأبديت من مبررات. ورد على قائلا يا ابني ليس لدي ما يمنع من أن أعطيك ورقه النقل. ولكني متأكد من أنك ستواجه هناك مشاكل الإقامة ومدارس بغداد مزدحمة بالطلاب وقد لا تجد هناك الاهتمام الذي نوفره لك نحن هنا ونصيحتي إليك أن تعدل عن رأيك هذا وتبقى معنا ونحن نعرفك ومقدرين ظروفك وما عليك إلا ان تجد وتجتهد وستجد من الله التوفيق. وقد جاءت كلمات ذلك الرجل الفاضل بردًا وسلامًا على نفسي وأعادت إلي شيئًا من الثقة التي فقدتها في نفسي وبقيت أمامه صامتا لا أدري ماذا أقول ثم أعاد علي الكرة بذلك الأسلوب المقنع وكان جوابي له بالموافقة وانتهت بذلك مرحلة قلقة من مراحل حياتي الدراسية.

ومشت الأمور معي على ما يرام في الدراسة بعد أن تعلمت درسا نافعًا من دروس الحياة. ثم جاءت نتيجة الامتحانات النجاح والانتقال إلى الصف الثاني الثانوي، ومن هذه التجربة تظهر حاجة الشباب القليل التجربة بهذه الحياة المعقدة في أيامنا هذه إلى طلب النصيحة وسماعها ممن هم أكثر خبرة وتجربة بمثل تلك النصائح المخلصة التي يمكن أن تأتي من الأهل أو المربين في المدارس أو أي جهة أخرى ناصحة ومجربة سيجد فيها الشباب القليلي التجربة نفعًا وفائدة في هذه الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت