ودفعت أجرة المقعد من بغداد إلى دمشق وقدرها ليرة عثمانية ذهب وكان سعرها في ذلك الوقت أقل من الجنيه الإسترليني أو الدينار الذي لم يبدأ التداول به بعد في العراق إلا في عام 1932. وكانت معظم الدول الكبرى في ذلك الوقت لا تزال متمسكة بقاعدة الذهب أي ان الجنيه الورق يساوي جنيها ذهبا. إلا أن بريطانيا خرجت عن هذه القاعدة بعد عام أي 1932 حيث أصبح الجنيه الذهب يعادل جنيهين من الورق.
وكان سفرنا من بغداد في الصباح الباكر وكنا سبعة ركاب منهن ثلاث نساء لبنانيات علمت أنهن مدرسات في مدارس البنات في العراق وقد أخبرتني إحداهن أنها مدرسة في إحدى مدارس البصرة وأنها من مدينة بيت مرى في لبنان وكان اسمها على ما أذكر (ليندا) .
وكانت السفرة في غاية الإزعاج والتعب حيث لم يكن الطريق بين بغداد والشام معبدًا بل كانت الحفر والأتربة التي ملأت السيارة وكل شئ فيها وقد تنفسنا الصعداء قليلًا عندما وصلنا إلى الرطبة عند الظهر وكانت على أجسامنا طبقات من الغبار والتراب الأحمر وأخذنا شيئا من الراحة وتناولنا وجبة خفيفة ثم واصلنا السفر إلى دمشق فوصلناها عند المغرب. وبعد استراحة قليلة في الفندق الصغير القريب من ساحة الشهداء خرجت استمتع باستنشاق الهواء العليل بالقرب من نهر بردي الذي عرفته من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي كما أشرت إلى ذلك في مناسبة سابقة وفي صباح اليوم الثاني ركبت بإحدى سيارات الأجرة المسافرة إلى بيروت وسرنا بذلك الطريق المتعرج المتاخم لنهر بردى إلى ضاحية دمر مرورًا بميسلون وهو المكان المشهور الذي وقعت فيه المعركة المشهورة بين الجيش الفرنسي الزاحف من لبنان وبين الجيش العربي للدولة العربية الفتية التي تأسست في سوريا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وعلى رأسها الملك فيصل بن الحسين. وقد كانت نتيجة تلك المعركة غير المتكافئة هزيمة الجيش العربي واستشهاد قائده يوسف العظمة ونهاية الدولة العربية في سوريا حيث تم للفرنسيين احتلال سوريا ولبنان وكان ذلك في عام 1920. وفقا لمعاهدة (سايس بيكو) التي أبرمتها فرنسا وبريطانيا عام 1916.
واجتازت السيارة الحدود السورية إلى لبنان باتجاه المدينة الجميلة شتوره وكنت طول الطريق مبهورا ومشدوها بتلك المناظر التي كنت أراها في الصور أو اسمع عنها من الذين رأوها. كما كنت لأول مرة في حياتي أرى الثلوج فوق قمم الجبال الشاهقة في عز الصيف وقد صدق المتنبي عندما وصف لبنان بان صيفه شتاء حين قال:
وعُقاب لبنان وكيف بقطعها وهو الشتاء وصيفهن شتاء
الانتقال الى برمانا
وصلت إلى بيروت ونزلت في أحد الفنادق المتواضعة ولا أذكر كيف تم الاتصال بيني وبين الأخ محمد سعيد في برمانا ولكن الذي أتذكره هو أنه حضر بعد ظهر اليوم التالي من وصولي وذهبنا معًا إلى