الجو العلمي والثقافي في المدرسة
إن نظام الدروس كان يتبع إلى حد ما النظام الإنجليزي مع بعض التعديلات التي تلائم المنطقة وكان من المشاهد وجود تعادل وثيق بين المدرسة وبين الجامعة الأمريكية في بيروت. فكثيرًا ما يأتينا بعض أساتذة الجامعة لإلقاء بعض المحاضرات. وكانت لقاءاتنا مع الأساتذة مستمرة حيث معظمهم يسكن في مساكن قريبة من المدرسة. وكانت السيدة ديفيدسن واسمها الأول PEARL لؤلؤة. تدعونا إلى بيتها بين حين وآخر لتناول الشاي معها ومع زوجها وكنا في تلك الفترة نخوض بأحاديث متشعبة كان القصد منها توسعة مداركنا وأتذكر كيف كانوا يحدثوننا عن تأسيس المجالس وطرق الانتخاب إلى غير ذلك من الأمور التي لها علاقة بحياة الفرد المتمدين اليومية. حيث كانوا يعتقدون أن الثقافة ليست دروسا تلقن في الصف فقط.
وكانت الدراسة في المدرسة مختلطة وتظهر بوضوح في الصفوف الابتدائية وكانت معنا بالصف بنت واحدة اسمها (ماري خوري) من أهل برمانا. ولكونها الوحيدة في الصف فقد كانت تشعر بشيىء من الحرج لا سيما عندما ينتقل الحديث بين الطلاب إلى النكات والمزح ولكن الجميع كانوا يحترمونها ولم تكن تخرج النكات والأحاديث عن مستوى اللياقة.
كما كانت هناك بعض المدرسات اللبنانيات لصفوف الأحداث. وفي إحدى زياراتنا إلى بيت ديفيدسن سمعت لأول مرة إذاعة خارجية من جهاز كبير يشبه البيانو وكان الصوت يأتي من أنقرة أو اسطنبول حيث كان الحديث والغناء باللغة التركية وكان ذلك في أوائل عام 1932.
وكانت عندنا سيدة لبنانية اسمها مدام قرطاس مسئولة عن قسم التغذية في المدرسة وقد اشتكينا لها مرة عن كثرة ما يقدم لنا في وجبات الغداء من الرز واللبن وطلبنا شيئا من التغيير. فقالت لنا ضاحكة بلهجتها اللبنانية المحببة ولو! نحن هون في لبنان إذا أردنا وصف شيء جميل قلنا انه مثل الرز مع اللبن!
وفي تلك الأيام حل شهر رمضان المبارك وأظن أن ذلك كان في شهر يناير (كانون الثاني) في ذلك العام وقررنا أن نصوم أنا وأحد الزملاء العراقيين واسمه هاشم الباجه جي من عائلات بغداد المعروفة وتقرر أن نذهب أنا وهو لمقابلة المدير الإنجليزي واسمه NAISH ناش وعند اللقاء به أخبرناه برغبتنا بالصوم وطلبنا منه أن يخبر إدارة مطعم المدرسة بأن يهيئوا لنا وجبة الإفطار التي تحل قبل موعد تقديم العشاء الاعتيادي وكذلك فتح المطعم لنا وقت السحور. وأخذ الرجل يناقشنا في صعوبة الصوم بالنسبة لنا في ذلك الطقس البارد ثم قال لنا بأن الدين الإسلامي سمح للمسافر بالإفطار وأنتما في عداد المسافرين. وكنا نزداد اصرارًا كلما أتانا بحجة، وأخيرًا لما رأى من قوة عزمنا وإصرارنا وافق على إصدار تعليماته لإدارة المطعم وتم ما أردناه وبدأنا بالصوم أنا وصاحبي وفي تلك الأيام بدأت الثلوج تتساقط على الجبل وكنت لأول مرة في حياتي أرى فيها الثلج ينزل كالقطن المنفوش ويتراكم ويسد الطرقات والمسالك. وحسب ما سمعنا فان شتاء ذلك العام كان قاسيا وشديدًا. أما نحن الاثنين فقد واصلنا الصيام وكنا نستيقظ في الساعة الثالثة صباحًا نتناول فيها السحور ثم ننتظر