حتى وقت صلاة الفجر وفي تلك الأيام التي أشرت إليها باشتداد البرد لم نكن لنجد ماء للوضوء بسبب تجمد الماء في الحنفيات في حمامات المدرسة العامة حيث لم تكن هناك حمامات خاصة في الغرف ولذلك فكنا نستعين بالماء الموجود بالمطبخ من أجل الوضوء. وكنا ننام قليلا بعد صلاة الفجر وأحيانًا لا ننام إذا كانت لدينا بعض الواجبات المدرسية التي تتطلب الإنجاز.
وهنا لا بد من سؤال وهو لماذا هذا الإصرار على الصوم في مثل هذه الظروف القاسية وان الدين يسر وليس عسرا، والجواب هو الآتي:
أولا: لقد كنت أنا والذين هم في جيلي نعيش في مجتمع تسوده الحياة المبسطة والقناعة بما قسم الله من وسائل العيش في ظروف صعبة قاسية ومع ذلك فقد كانت قلوب الناس عامرة بالإيمان والتمسك بشعائر الدين مما ساعد على استمرار قوة الاحتمال عند الناس في تلك الأيام.
ولن أنسى خلال فترة طفولتي أنه حل الشهر الفضيل في عز الصيف في ذلك العام ولم يكن في الكويت في تلك الأيام الخالية شييء من وسائل الراحة إلا ماء البئر الذي كنت أرى الوالدة ومن في البيت من الكبار يسكبونه فوق رؤوسهم وعلى ثيابهم لتخفيف وطأة الحر ومشقة الصوم. وسرعان ما تنشف الثياب المبللة من شدة الرياح الجافة كما كان الوالد رحمه الله يحرص في الأوقات المناسبة على أن يصحبني معه إلى المسجد القريب من بيتنا حتى انه من كثرة ترددي معه على المسجد لا سيما أيام الجمع حفظت الكثير من نصوص خطبة الجمعة التي كانت تتكرر معظم فقراتها كل جمعة تقريبا. كما كنت أحفظ ولازلت بعض الآيات القرآنية التي كان يتلوها الإمام أثناء الصلاة.
ومن عادة الوالد قراءة القرآن كل صباح بعد صلاة الفجر وكان يوقظني بعد ذلك وكنت اقرأ على يده بعض الآيات وأظل أقرأ حتى يأمرني بالتوقف وذلك عندما يحين موعد الإفطار، ثم بعد ذلك وقت المدرسة.
واستمر الحال بعد وفاة الوالد وتولي الأخ عبدالله أمر الوصاية علي وكان في أسلوبه مشابه لطريقة الوالد في تمسكه بشعائر الدين وقد بدأت الصوم في سن الرابعة عشرة وكنت أفطر خلسة إذا شعرت بالتعب أو العطش خشية الانتقاد واللوم.
لقد كان لهذه النشأة وهذا النمط من الحياة وفي ذلك الإطار من التربية الدينية أثره في أعماق النفس فظل القلب عامرًا بنور الإيمان وان كان لا بد من الاعتراف من أجل الحقيقة بأني مررت بفترات كثيرة متقطعة كنت فيها مقصرًا في تأدية الفرائض المطلوبة.
ثانيا: من المسلم به أن لكل عمل نتيجة وردة فعل قد تكون مجارية أو معاكسة لذلك العمل ولا شك أن أسلوب التبشير ومحاولة إقناع الناس بتغيير معتقداتهم الدينية ليس بالأمر السهل ولهذا فشلت