فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 161

الحملات التبشيرية في مهماتها لا سيما في المجتمعات الإسلامية وهذا ما كان واضحا في منطقتنا.

وكون هذه المعاهد العلمية لها أسلوبها وطابعها التبشيري ما كان منه ظاهرًا أو باطنًا. لذلك كان لزامًا أن تكون هناك ردة فعل تظهر بصورة من الصور. وكذا ما حدث لنا نحن الاثنين من تحول شعورنا الديني العفوي إلى ساحة التحدي والإصرار كلما حاول الطرف الآخر محاولة إقناعنا بالعدول عما كنا قد اتفقنا عليه.

ومن الإنصاف القول بأن تلك المعاهد لم تكن تركز نشاطاتها على التبشير بالدين المسيحي وهي التي تعرف مدى تمسك المسلمين من طلابها بدينهم واعتزازهم به، لهذا كانت لها أساليبها الأخرى في التحدث عن المفاهيم الأخلاقية والقيم الحضارية والإنسانية التي تشترك فيها معظم الأديان السماوية بما فيها الإسلام والمسيحية.

وبهذه المناسبة أذكر أن المستر ديفيدسن الذي اعتاد أن يلقي بعض الخطب والمواعظ الدينية في أيام الآحاد عند تجمع الطلاب في قاعة المحاضرات تطرق إلى موضوع التمسك بالمبادئ وأشار إلى موضوع إصرارنا على الصيام نحن الاثنين دون أن يذكر أسماءنا. وقال ما معناه انهمع اختلافه معنا في العقيدة فانه أكبر فينا الثبات والإصرار على المبدأ. وهذا نموذج من طريقة التعامل بالأسلوب الحسن والتي نادى بها الإسلام كما جاء في القرآن الكريم {وجادلهم بالتي هي أحسن} .

كذلك أود أن أشير هنا إلى الجامعة الأمريكية في بيروت التي تأسست في النصف الأول من القرن التاسع عشر بأموال جمعيات خيرية تبشيرية واستمرت كذلك ومع هذا فقد تخرج من تلك الجامعة نخبة لا يستهان بها من الشباب العربي المعتز والمتمسك بمعتقداته وقوميته في وقت كانت فيه معظم المعاهد في البلاد العربية عاجزة عن تخريج مثل أولئك الرجال الذين تولى الكثير منهم أعلى المراكز في بلادهم.

أم كلثوم في بيروت

وذهب الشتاء بثلجه وبرده وعواصفه وأقبل الربيع بطقسه المعتدل وسمائه الصافية. ونبتت الأعشاب والأزهار البرية المختلفة الأشكال والرائحة على الروابي وفي بطون الوديان. فإذا نزلت من الجبل باتجاه الساحل فاحت من حولك رائحة زهور البرتقال والليمون تملأ الأنوف بتلك الروائح المعطرة. وكنت في عطلة الأسبوع بين حين وآخر أنزل إلى بيروت لزيارة الأصدقاء في الجامعة الأمريكية وهناك علمت أن الآنسة أم كلثوم -كما كانت تسمى في تلك الأيام- ستحيي قريبًا بعض الحفلات الغنائية في بيروت. واتفقت مع الأخ محمد سعيد النقيب ان هذه فرصة بالنسبة لنا لن تعوض ولا بد من حضور إحدى هذه الحفلات. وانتظرنا الموعد لإحدى تلك الحفلات وحضرناها وقد دفعنا ثمن كل بطاقة ليرة ذهب التي كانت تساوي خمس ليرات لبنانية في الدرجة الأولى. وكانت حفلة من حفلات العمر. فقد كانت أم كلثوم في عز شبابها تلبس ذلك اللباس المحتشم المؤلف من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت