كذلك فلم تتوفر عندي الرغبة في مواصلة الدراسات العليا لأن النظرة لها في تلك الأيام بالنسبة للشباب لم تكن كما هو عليه الحال في الوقت الحاضر وأنا أتكلم عن العام 1932 فمجال الوظائف في البلاد العربية كان ميسورًا حتى لمن هم دون حملة الشهادة الثانوية كما سبق وأشرت في مناسبة سابقة. ولم تكن الجامعات قد توفرت بالكثرة التي عليها الآن بل كانت في معظم البلاد العربية كليات لدراسات معينة. وكان أكثر طلبة الدراسات العليا في ذلك الوقت نخبة من الشباب المتفوق من ذوي المعدلات العالية في الدراسات الثانوية وكان غالبية هؤلاء يلتحقون في بعثات الدولة للخارج. وما ذكرته سابقا عن المواضيع التي كنا ندرسها في الصفوف الابتدائية يوضح للقارئ المستوى الذي كانت عليه الأمور في ذلك الوقت بالمقارنة بحالة الوقت الحاضر.
وأعود إلى ما كنت عليه في تلك الأيام فأقول بأن تلك الحرية النسبية التي كنت أتمتع بها خلقت عندي جوا من الضياع في الوقت الذي كنا فيه أنا وأمثالي في تلك السن المبكرة في أشد الحاجة إلى من يحدد لنا تلك الحرية حتى لا تخرج عن مسارها المعقول.
ولكن النشأة المنضبطة التي عشتها في بداية حياتي والأعراف والتقاليد التي كانت سائدة ومعروفة في المجتمعات في تلك الأيام كانت هي بذاتها تحدد إلى حد ما تصرفات الشباب في ذلك الوقت. لهذا لم يكن من المستغرب علي مع تلك الحرية التي أشرت إليها وتوفر المادة أن أقف بثبات عند حدود معينة لم أكن أفكر يوما ما ان أتجاوزها. ولم يخطر ببالي في ذلك الوقت إلقاء العصا والاستقرار في مكان معين في تلك السن المبكرة كما لم يخطر ببالي البحث عن وظيفة أو الاشتغال بأي عمل تجاري شأني بذلك شأن الجماعة من الأقارب والأصدقاء وغالبتهم من التجار لأن مجال التوظف في الكويت في ذلك الوقت ضيق إلى أبعد الحدود ولكني كنت أشعر بأن هناك قوة تدفعني لأن أعمل شيئا حتى أنهي حالة انعدام الوزن التي كنت أعيشها إن صح هذا التعبير.
السفر إلى الهند
قلما تجد بين الكويتيين في ذلك الوقت من لم يسافر سواء للتجارة وهي أحد الأسباب الرئيسية لسفرهم أو للترويح عن النفس. ومن المدن التي كانت تجتذب الكويتيين وأقربها لهم مدينة البصرة وعلاقة البصرة التجارية مع الكويت معروفة وقد تطرقنا لها في عدة مناسبات.
كذلك فقد كانت البصرة في تلك الأيام مكانًا مفضلًا بالنسبة لهم للترويح عن النفسي والاستجمام. فشط العرب وبساتين النخيل والمقاهي والمطاعم والملاهي ودور السينما كانت كلها أماكن لمختلف الأذواق والميول.
وقد أشرت فيما سبق عن فتح الطريق الصحراوي للنقل بالسيارات وهذا ما سهل الانتقال حيث كان باستطاعة أي فرد أن يسافر من الكويت إلى البصرة في الصباح الباكر وينجز عمله هناك ثم يعود في المساء إذا شاء.