تدريجيا بعد أن قلت الأسفار إلى تلك الجهات ثم جاء عصر البترول وتدفق سيل الهجرة العربية والأجنبية على الكويت وكثرت المدارس وكانت نسبة المدرسين الكويتيين فيها قليلة بالنسبة للمدرسين العرب وكانت الكثرة للمدرسين والمدرسات العرب فتأثرت بذلك اللهجة الكويتية والمصطلحات واختفت الكثير من الكلمات المحلية وحلت محلها كلمات ومصطلحات أخرى عربية.
وخلال تلك الفترة التي أقمت بها في الكويت أي صيف 1932 علمت أن بعض أصدقائي وأقربائي سافروا الى بومباي، بعضهم للدراسة وبعضهم للتجارة. وكما ذكرت فقد كنت أعيش في فترة انتقالية لم أعرف أين سيكون فيها الاستقرار ومرت علي فترة أشبه بتلك التي مرت علي قبل السفر إلى لبنان. وفجأة قررت السفر إلى بومباي وسافرت الى البصرة حيث البواخر السريعة الأسبوعية تقلع من هناك. وكان سفري على إحدى بواخر الشركة البريطانية الهندية والتي تبلغ حمولتها حوالي خمسة آلاف طن وهي بالغالب سفن للنقل إنما توجد فيها غرف محدودة بركاب الدرجة الأولى والثانية والتي عادة تكون محجوزة لكبار التجار العرب؟ وكبار موظفي الحكومة البريطانية ولذلك فقد كانت غالبية المسافرين يحجزون أماكنهم في الدرجة الثالثة أو كما يسمونها (السطحة) أي سطح السفينة وهو مكان شبه مكشوف تظلله أحيانا سقوف من القماش المشمع السميك اتقاء لحرارة الشمس أو المطر وقد يضيق هذا المكان بالمسافرين في المواسم لا سيما موسم زيارة العتبات المقدسة في العراق حيث يزورها كل عام عدد لا يستهان به من مسلمي الهند. وأذكر من الكويتيين الذين صادف وجودهم في هذه السفره محمد عبدالله السعد ومحمد الداود المرزوق وعثمان بن سري القناعي وراشد بن علي بن راشد وكانا من الذين مجيدان الطبخ وكنت أساعدهم في فرم البصل وغسل الأواني. وقد كانت شركة البواخر تسمح للذين يسافرون على ظهر الباخرة بطبخ طعامهم. علما بأنه كان يوجد في جهة من السطحة طباخ من قبل الباخرة يطبخ الرز والمرق ويبيعه بأسعار مناسبة لمن يريد ولكن الذي شاهدته أن غالبية الكويتيين الذين يسافرون في تلك الأيام يفضلون طبخ طعامهم بأنفسهم حيث يجدون في ذلك متعة يشارك فيها الجميع ومن المناظر المعتادة أن ترى بالقرب من كل جماعة أقفاص الدجاج والخضروات وأحيانا تجد الخراف (قد يصادف أحيانا أن يكون بعض كبار الشخصيات العربية الخليجية مسافرًا على أحد هذه البواخر لا سيما تجار اللؤلؤ أيام عزهم وتكون معه عادة مجموعة من رجاله وخدمه فيوجه الدعوة لجميع المسافرين العرب لتناول الطعام على مائدته طيلة السفره) !
وخرجنا من شط العرب ودخلنا في مياه الخليج العربي ومع شدة الحرارة في تلك الأيام فقد كانت نسائم البحر تخفف من شدتها. وكانت السفره مريحة وممتعة حيث يجلس كل واحد منا متكئا على فراشه المطوي وبقربه صندوق أمتعته المصنوع من معدن التنك. أما شنط هذه الأيام فلم تكن قد انتشرت في ذلك الوقت. فإذا جاء المساء مد كل واحد فراشه الذي يكون عادة من النوع الخفيف لكي يسهل حمله هو مع الصندوق.
وبقينا على هذا الحال المريح وكأننا في نزهة أو (كشته) حتى خروج الباخرة من مضيق هرمز إلى البحر العرب حيث استقبلتنا أمواج الرياح الموسمية العاتية. التي تهب على شبه الجزيرة الهندية في مثل هذه الأيام فتثير العواصف والأمطار. وأصبحت باخرتنا كالريشة في مهب الريح وهي تتمايل