فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 161

إلى حافتها حتى ليظن الواحد منا أن تلك الأمواج ستطغى عليها حتما. وبدأت الصناديق والأمتعة تتدحرج وتتلاطم بعضها ببعض وبلل رذاذ الموج أمتعتنا. وكلما تقدمت الباخرة في عرض البحر ازدادت المعاناة حتى اضطررنا إلى النزول إلى أسفل السفينة المخصص للبضائع وقد وجدنا هناك جماعة من التجار العراقيين الذين يتعاطون تجارة الخيول وهم من أهل الموصل ويسمون"بيت طالب"ووجدناهم منهمكين بتهدئة خيولهم المحشورة في مرابطها والتي تأثرت بحركات الباخرة المزعجة وظلت السفينة تترنح وتتمايل حتى تكاد حافتها تلامس مستوى المياه طيلة يومين بلياليهما دون أن نهنأ بطعام أو نوم حتى وصولنا إلى مدينة كراجي حيث ألقت الباخرة مراسيها وبدأ بعض الركاب يغادرونها عند منتصف النهار وكانت حرارة الجو لا تطاق. وقد لفت نظري ضابط شرطة بريطاني بألبسته البيضاء الناصعة وقبعته الاستوائية بشكلها المعروف يقف عند آخر درجة من درجات السلم يدقق في معاملات النازلين والصاعدين فترات طويلة في تلك الشمس المحرقة والجو الخانق وكأنه رمز لأولئك الرواد الذين جاءوا إلى هذه المناطق كمستعمرين والذين جعلوا من بريطانيا إمبراطورية لا تغيب عن أراضيها الشمس وحازت على لقب"سيدة البحار".

وعندما خفت حرارة الجو عند العصر نزلنا إلى المدينة وذهبنا إلى بيت محمد المرزوق للزيارة ولم نجده هناك ووجدنا أحد كبار الموظفين عنده وهو عبدالله المنصور أبا الخيل ولم أكن قابلته من قبل فلما رآني قال لي هل أنت ابن فلان قلت له نعم، قال والله عرفتك من الشبه. ثم ذهبنا بعد ذلك إلى مكتب عبدالرحمن بن شاهين الغانم ووجدناه هناك وعندما علم أن الباخرة ستتأخر إلى بعد ظهر اليوم التالي دعانا على الغداء على الطريقة الكويتية الذي كان من السمك والرز (المحمر) وكانت وليمة لا تنسى بعد تلك الفترة المزعجة التي قضيناها قبل الوصول إلى مدينة كراجي.

وقبل غروب الشمس من ذلك اليوم أقلعت الباخرة وما أن غابت عنا معالم المدينة حتى أصبحنا في خضم تلك الأمواج العاتية التي سبق وصفها. وعلى ذكر هذه العواصف فان موسمها يبدأ عادة في النصف الأول من شهر يونيه (حزيران) وهي رياح جنوبية غربية تهب على شبه جزيرة الهند والبحر العربي وتتأثر بها سواحل سلطنة عمان الجنوبية. وتصحب هذه الرياح الموسمية أمطار غزيرة قد تصل في بعض مناطق الهند الى ثلاثمائة عقدة في فترة الموسم الذي يستمر حتى نهاية سبتمبر. أما مدينة بومباي فان نسبة معدل المطر الذي ينزل عليها في هذا الموسم فتصل إلى خمسة وسبعين بوصة ويمكن للقارئ إذا أراد المقارنة أن يعرف أن معدل نزول المطر عندنا في أقصى حد لا يزيد عن سبع بوصات إلا ما ندر!

كذلك وبهذه المناسبة أود أن أذكر بأن خبراء الأرصاد يقولون أن هناك صلة بين رياح الهند الموسمية هذه وبين رياح (البارح) الشمالية الغربية التي تهب على منطقتنا خلال فترة الصيف.

الوصول الى مدينة بومباي

وبعد المعاناة التي أشرت إليها حمدنا الله على وصولنا إلى مدينة بومباي عاصمة الهند التجارية وقد لفت نظري ضخامة الميناء وعدد البواخر الكبيرة الراسية ومنها عابرة المحيطات. ولم نصادف أي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت