فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 161

ومن الإنصاف القول بأن الاستعمار الغربي الذي تحدثنا عن تعسفه وقسوته في حكم البلاد المستضعفة، إلا أن هناك آثارًا حضارية زامنت الفترة التي قضاها المستعمر في تلك البلاد ولنعود إلى الوراء قليلا إلى أواخر القرن الثامن عشر فمثلا عندما احتل نابليون مصر ومع أن فترة احتلاله لم تدم أكثر من ثلاث سنوات فان التاريخ يحدثنا عن إنجازات حضارية كثيرة تمت خلال تلك الفترة القصيرة لا مجال لشرحها في هذا المكان.

كذلك فان الإنجليز خلال مدتهم الطويلة في حكم الهند فإنهم وضعوا له الكثير من النظم والإصلاحات الإدارية والعمرانية وقد بهرتني مدينة بومباي لا سيما الحي الغرب منها حيث الأبنية الحديثة والقديمة الفخمة التي تشير إلى العصر الفيكتوري نسبة الى الملكة فيكتوريا. فالسكك الحديدية في الهند ونظامها الذي لا يقل في تلك الأيام عن نظام أي بلد في أوربا ناهيك عن محطة القطار المسماة (بوري بندر) في مدينة بومباي فانك إذا دخلتها تتصور أنك في إحدى محطات قطار لندن المشهورة.

وجريدة التايمس الهندية التي كانت تضاهي جريدة التايمس اللندنية في الإخراج والمواضيع ومبناها الفخم وطباعتها الراقية وحرية الرأي التي كانت تتمتع بها فكانت تنقل خطب غاندي وجواهر لال نهرو والزعيم المسلم محمد علي جناح وغيرهم بما في تلك الخطب من تحديات سافرة لبريطانيا.

كما أن القضاء ونظام المحاكم كان إلى حد ما يشبه ما كان عليه في بريطانيا وكذلك فالشيء نفسه يقال عن النظام الإداري ومستوى الموظفين العالي الذي كانوا يسمونه نظام الخدمة الهندي INDIAN CIVIL SERVICE الذي اشتهر رجاله بكفاءاتهم الإدارية. وكذلك أنظمة الشرطة والجيش حيث استفادت بريطانيا من كل هذه الخبرات في حروبها لا سيما في الحرب العالمية الأولى. فعندما احتلت العراق في بداية الحرب أي في النصف الثاني من عام 1914 كانت غالبية جيشها من الهنود كما جلبت معها مجموعة كبيرة من الإداريين الهنود الأكفاء لإدارة البلاد وتأسيس نظام إداري جديد على أنقاض النظام العثماني المنهار وقد ظهر ذلك واضحا في نظام الشرطة والبرق والبريد والتلفون والمحاكم التي كانت تحكم بموجب القانون المدني الهندي. وبقال أن أول نظام للتلفون الأوتوماتيكي تم تركيبه في البصرة قبل أي بلد آخر في منطقة الشرق الأوسط.

ولم يكن هذا النوع من الاستعمار الإيجابي ان صح هذا التعبير مقتصرا على الأماكن التي ذكرناها بل انه تكرر في بلاد ومدن أخرى مثل عدن وسنغافورة وهونكونك والشواهد على ذلك كثيرة.

فبريطانيا احتلت عدن في النصف الأول من القرن التاسع عشر بموجب ترخيص من السلطان العثماني وذلك لإقامة مخازن للفحم لتزويد السفن البريطانية المتجهة إلى الشرق. وقد ازدادت أهمية الميناء بعد فتح قناة السويس وعندما استعاضت السفن البريطانية بالنفط كوقود لبواخرها في أوائل القرن العشرين بدلًا من الفحم الحجري. أنشأت في عدن مصفاة للنفط من أكبر مصافي النفط في العالم. ولأن الرخصة التي منحها السلطان العثماني حرمت على بريطانيا فرض الضرائب أيا كان نوعها على الأهالي والبضائع فقد أصبحت عدن في وقت من الأوقات مخزنًا كبيرا لشتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت