التحول الفجائي
جرت العادة في أيام العطل ووقت الفراغ أن أذهب إلى الأحياء الأوربية في مدينة بومباي وكنت أجد متعة وتغييرا على شتى المستويات فالطرق الواسعة النظيفة والمحلات التجارية الراقية التي لم أجد لها شبها إلا عندما زرت أوروبا ولندن بالذات. وكنت أذهب بلباسي الأوربي وكنت أرتاد تلك الأماكن بحرية لا سيما دخول بعض الأماكن المخصصة للأوربيين وكان يظن البعض أني من (المولدين) الذين أشرت إليهم فيتسامحون معي!
وكان الملفت للنظر في تلك الأماكن كثرة المكتبات ووفرة الكتب فيها والصحف الأجنبية وكنت أقضي بعض الوقت في زيارة تلك المكتبات وتشاء الأقدار أن تقع عيني على مجلة مختصة بشئون الطيران أسمها FLYING ( الطيران) وأخرى بالقرب منها اسمها (الطيارة) "THE AEROPLANE"فاشترتهما، فالأولى كانت تبحث في قصص الحرب العالمية الأولى وأبطالًا من الطيارين من كلا الجانبين الألمان والحلفاء من الفرنسيين والإنجليز. أما الثانية فهي مجلة فنية تعالج المستجدات في شئون الطيران.
وبدأت أقرأ في مواضيع هاتين المجلتين، لا سيما ما كان في المجلة الأولى من قصص أبطال الطيران في الحرب العالمية الأولى. ومن الأبطال الذين كانوا مثارًا لإعجابي وربما إعجاب الكثيرين الذين قرءوا عنه. هو الطيار الألماني المشهور البارون فون ريختهوفن وكان يلقب بالبارون الأحمر لأن لون طائرته كان كذلك ويقال ان مجرد رؤية تلك الطائرة في الجو كان يثير فزع طياري الحلفاء لا سيما الطيارين الجدد منهم حتى يقال أن بعضهم كان يصرخ فزعا في نومه متصورًا أن (البارون الأحمر) يلاحقه! وقد بلغ مجموع ما أسقطه من طائرات الحلفاء اثنين وثمانين طائرة، إن"عبادة الابطال"واهتمام الناس بأمرهم من الأمور المسلم بها بالنسبة لغالبية الناس لا سيما الشباب منهم. وقد كثر ترددي على تلك المكتبات فوجدت فيها مؤلفات تخص تعلم الطيران ومنها كتاب LEARNING TO FLY الذي بادرت إلى شرائه وحلت هذه الكتب والمجلات عندي محل الكتب المدرسية!
وكانت في الأحياء الشعبية في مدينة بومباي مكتبة عربية يديرها رجل مصري اسمه محمد العدوي وكنا نتردد عليه باستمرار ونشتري منه الكتب والمجلات العربية لا سيما المصرية منها مثل مجلتي المقتطف والهلال. وقد قرأت في إحدى الصحف المصرية خبرًا عن تأسيس شركة الطيران المصرية ومدرسة للطيران في مطار ألماظة الذي أصبح عسكريا فيما بعد فحررت رسالة وقتها إلى نادي الطيران الذي تتبعه المدرسة استفسر فيها عن برنامج الدراسة ومدتها وتكاليفها (راجع الجواب من مدير عام شركه مصر للطيران كمال علوي تاريخ 13 يونيو 1933) ومن قراءتي لتلك المجلات الخاصة بالطيران وكتب التعليم وشغفي بها فقد وصلت إلى مرحلة حفظت خلالها الكثير من أمور الطيران النظرية وما بقي إلا التطبيق!