فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 161

وهكذا وبعد مرور سنة على وجه التقريب منذ وصولي إلى مدينة بومباي وفي مراجعة أسماء وعناوين مدارس الطيران في إنجلترا قررت السفر إلى هناك لمواصلة الدراسة العملية بعد أن تشبعت أفكاري بالنظريات.

ركبت الباخرة المتوجهة إلى البصرة والتي تسافر أسبوعيا بصورة منتظمة وهي تابعة لنفس الشركة البريطانية التي تعمل بواخرها في الخليج. وكانت سفرتي هذه المرة بالدرجة الثانية في غرفة ذات سريرين وكان معي مهندس هندي من جماعة السيك يشغل إحدى الوظائف عند الحكومة العراقية. وكان لطيف العشرة. وكانت بطاقة السفر تشمل الطعام فكنا نلتقي سويا على المائدة. وكانت السفرة في شهر تموز (يوليو) الذي يكون فيه البحر هائجا مائجا كما ذكرت في مناسبة سابقة عندما تحدثت عن رحلة القدوم إلى الهند. ولكن حدة الإزعاج والمضايقة كانت أقل وأخف هذه المرة بسبب وسائل الراحة المتوفرة في الغرفة وكنا بعيدين عن مزعجات المنطقة المكشوفة في الدرجة الثالثة.

وكنت في خلال السفرة أفكر في رحلتي القادمة إلى إنجلترا وما سألاقيه من اعتراضات، وكان اهتمامي منصبا على مفاتحة أخي عبدالله بالموضوع ومقدار تقبله لفكرة سفري الغريبة والتي لو كان الأمر بيده فمن المؤكد أنه لن يقتنع بها أو يوافق عليها لا سيما في تلك الأيام الحرجة والضيق المالي الآخذ برقاب الناس بسبب الأزمة العالمية التي بدأت من عام 1929 ولازالت مستمرة.

والواقع أن هذه الأفكار والتخرصات كانت تؤرقني طيلة السفرة وكنت أتصور ردود فعلها في المجتمع الذي أنا فيه.

لقد كان مقبولًا إلى حد ما أن أذهب إلى لبنان أو الهند للدراسة ولكن بأي حجة وأي منطق أستطيع أن أدافع عن فكرتي الجديدة. واستمرت الرحلة إلى البصرة حوالي ستة أيام. وبعد فترة وجيزة من وصولي ذهبت إلى مقابلة أخي في محله التجاري الكائن في مدينة العشار وفجرت (القنبلة) هناك فأطرق الرجل برأسه فترة وكأنه يبحث عن جواب بعد هذه المفاجأة التي لم يكن ينتظرها أو تخطر له على بال وبدأ يستفسر عن فترة الدراسة وتكاليفها واختصرت الأجوبة خشية الدخول في الجدل ولكنه عرف مقدار عزمي وتصميمي كما أخبرته عن نيتي في السفر بعد العودة من الكويت مباشرة. وكان كعادته معي عطوفا متسامحًا وقد وعد بفتح حساب لي في أحد البنوك البريطانية وكان اسمه"بنك شاهنشاهي ايران"THE EMPERIAL BANK OF PERSIA لذي أصبح فيما بعد يحمل اسم THE BRITISH BANK OF THE MIDDLE EAST البنك البريطاني في الشرق الأوسط ولا يزال يحمل هذا الاسم.

سافرت بعد هذا اللقاء الذي لم يخل من الإحراج واختلاف وجهات النظر بين جيلين مختلفين ولكن انتهى كما ذكرت بما كنت أتوقعه. وأقمت في الكويت فترة قصيرة منها السلام على الوالدة ووداعها ولم أدخل معها في تفاصيل السفرة وقد تعودت على أيام الفراق الطويلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت