أما بعض الأقارب والأصدقاء في الكويت فقد كانت ردود فعلهم متوقعة بعضها مزيج من السخرية والتهكم واتهامي بالسفه وبعثرة المال في تلك الأيام العجاف وازدادت حملتهم علي عندما عرفوا أن ساعة واحدة من التدريب على الطيران تكلف أربع جنيهات إسترلينية أو ما يزيد على خمسين روبية هندية وهو المبلغ الذي كان يكفي لإعاشة عائلة متوسطة الحال والعدد لمدة شهر كامل مع الرفاه!
المهم أنه كلما زاد اللوم زاد العزم عندي والتصميم وكما قال الشاعر:
وزادها شغفا بالحب مذ منعت احب شيء إلى الإنسان ما منعا
كذلك لا بد من الإشارة إلى أن الشائع في ذلك الوقت أن مهنة الطيران وما يتعلق بها هي أمور لا يقدر عليها إلا أولئك الشياطين الحمر. ولم تكن هذه المعتقدات مستغربة في تلك الأيام التي لم يتجاوز فيها عمر الطيران عن الثلاثين سنة.
غادرت الكويت تاركا خلفي كل ما أثير من شكوك حول رحلتي المثيرة وبعد إقامة قصيرة في البصرة واصلت السفر إلى بغداد ودمشق ثم بيروت التي وصلتها منهكا متعبا فقررت الصعود إلى الجبل لاستريح أياما قصيرة قبل الرحلة إلى أوروبا. وتوجهت إلى مصيف سوق الغرب المشهور حيث يسكن هناك أحد أساتذتي في برمانا واسمه داود صليبا ويدير هو وعائلته نزلًا (بنسيونًا) سماه (بنسيون فاروق) وهو اسم ابنه الأكبر وقد استقبلني أستاذي القديم هو وعائلته استقبالًا طيبا وقضيت في هذا المكان المريح أوقاتا ممتعة بعد مشقة السفر المرهق وربما يستغرب أولئك الذين لم يعايشوا تلك الأيام إذا قلت لهم أن أجرة الإقامة الكاملة في ذلك النزل مع ثلاث وجبات طعام كانت ليرة لبنانية واحدة! وكان الدينار العراقي يساوي أربع ليرات، أي ربع دينار لليوم الواحد للإقامة والطعام. وقد صادف أن وجدت في ذلك النزل سيدتين عراقيتين الأولى كانت السيدة أمة سعيد وهي سيدة فاضلة من أصل سوري وكانت تشغل وظيفة مرموقة في معارف العراق وأخبرتني أن أختها هي زوجة على جودت الأيوبي الذي ترأس الوزارة العراقية عدة مرات في العهد الملكي والثانية ابنة أختها واسمها مديحة وقد تزوجت فيما بعد برجل من رجال السلك الخارجي العراقي اسمه ياسين عمر من أهالي أبي الخصيب في البصرة وقد كان مديرًا لمدرسة السيف في البصرة في السنوات الأولى من دراستي فيها.
وفي خلال تلك الفترة كنت انزل إلى بيروت مستفسرًا عن البواخر المسافرة إلى أوربا فعلمت أن أقرب طريق في ذلك الوقت إلى بريطانيا أن آخذ الباخرة إلى مارسيليا ثم بالقطار إلى أحد موانئ بحر المانش والعبور من هناك إلى الساحل الإنجليزي وقد حجزت على إحدى البواخر التابعة لشركة فرنسية اسمها (مشاجري مريتيم) وكان اسم الباخرة PROVIDENCE وحجزت على أرخص مكان بمبلغ خمس ليرات ذهب أو ما يعادل عشرة دنانير عراقية بيروت-مرسيليا بما في ذلك الطعام كما تقرر أن يكون يوم 3 سبتمبر هو موعد إقلاع الباخرة.