وكانت الباخرة ترسو خارج أرصفة الميناء لذلك ذهبنا لها في الموعد المقرر بواسطة القوارب المعدة لتلك الغاية. لقد كانت الرحلة ممتعة لاعتدال الجو في تلك الأيام. أما الطعام فكان يقدم لنا في قصعات على طريقة الجنود حيث يأتون البحارة إلى أماكن تجمع الركاب حاملين معهم الطعام في أوان ضخمة من النحاس ثم توزع علينا الصحون ونقف في طابور أشبة بطريقة (البوفيه) في الولائم هذه الأيام وكانت غالبية الطعام من لحم البقر والبطاطة أو المكرونة. وكان مصدر الإزعاج الوحيد في تلك السفرة أماكن النوم التي كانت في عنابر تحت مستوى سطح الباخرة والأسرة مرصوفة بعضها فوق بعض كما يحدث في بعض عربات القطار أو ثكنات الجنود. وأتذكر أنه يوم الثامن من أيلول (سبتمبر) أعلن علينا خبر وفاة الملك فيصل الأول وكان لهذا الخبر رنة حزن واسى عند جميع المسافرين العرب في الباخرة التي كان عليها بعض المهاجرين إلى أمريكا وأفريقيا أو من الطلبة الذين يدرسون في فرنسا وغالبيتهم من السوريين واللبنانيين.
الوصول إلى فرنسا
وصلنا إلى مرسيليا على ما اذكر يوم 13 من الشهر ومن هناك أخذت القطار إلى باريس حيث وصلناها في الصباح الباكر.
وكان معي خلال السفرة تلميذان من سوريا ونزلنا سويا في أحد الفنادق الصغيرة القريبة من محطة القطار وكانت أجرة السرير في ذلك الفندق على ما أذكر في حدود المائة وخمسين فلسا بالنسبة للعملة الفرنسية. وأقمت في باريس يومين بلياليهما وكنت متشوقا لرؤية معالمها المشهورة التي سمعت عنها وقرأت.
نعم ها أنذا أتجول في شوارع باريس عروس الدنيا الذي قرأت فيما قرأت عنها مما كتبه توفيق الحكيم، وزكي مبارك في كتابه"ذكريات باريس".
وكان تجولي مشيا على الأقدام ومعي بعض الخرائط أسترشد بها. فإذا شعرت بالتعب جلست في إحدى المقاهي المنتشرة على الأرصفة أتناول بعض المرطبات وان شعرت بالجوع طلبت بعض الساندويج الذي اكتشفت فيما بعد أن اللحم الذي بداخله كان لحم خنزير!
لقد كنت حريصا منذ بداية السفرة أن أقلص مصاريفي إلى أدق حد ممكن لحفظ القرش الأبيض لليوم الأسود كما يقود المثل وكذلك لأعطي الجواب لأولئك الذين هاجموني بالانتقاد والتهكم ولكي أخيب ظنهم فيما ذهبوا إليه. لقد زرت ما سمح لي الوقت بزيارته وكنت استعين بالتاكسي لزيارة الأماكن البعيدة مثل برج ايفل وغابة بولونيا والحي اللاتيني الذي كان يردد ذكره الدكتور زكي مبارك وكثير من الأدباء العرب والدارسين.
وفي أمسية آخر يوم توجهت إلى ميناء (دييب) بالقطار من محطة (سان لزار) ومن هناك صعدت إلى إحدى البواخر المتوجهة إلى مدينة (نيوهافن) على الساحل البريطاني. ودامت الرحلة حوالي