أربع ساعات ونصف كانت مزعجة بالنسبة لي بسبب اشتداد البرد ليلًا حيث كنا في منتصف شهر سبتمبر ومما زاد الطين بله ملابسي الخفيفة ومعدتي الخاوية!
وعند وصولنا المدينة وإنهاء الإجراءات الرسمية ذهبت إلى المحطة انتظر القطار المسافر إلى مدينة (ساوثهامبتون SOUTHAMPTON) وهي من أكبر المواني البحرية في جنوب إنجلترا والتي تقع بقربها ضاحية HAMBLE التي فيها مدرسة الطيران. وكان وصولي المدينة عند مطلع الشمس. فذهبت إلى أحد الفنادق المعروفة هناك. وبعد استراحة قصيرة نزلت إلى المطعم وأنا أتضور جوعا وكان هناك الفطور الإنجليزي المشهور الكامل فملأت المعدة وصعدت رأسًا إلى الفراش حيث أخذ منى الإرهاق مأخذه ولم أستيقظ إلا في المساء. وفي اليوم الثاني اتصلت بالمدرسة وأخبرتهم بوصولي. وكنت قد سلمت بعض ملابسي عند وصولي للتنظيف السريع فسألت عنها وقيل لي أنها عند البواب ( PORTER) وأشاروا الى مكانه.
فلم أجد في ذلك المكان إلا رجلا باللباس الرسمي (السموكن) يعتمر قبعة سوداء طويلة فتصورته أحد أكابر نزلاء الفندق ينتظر سيارته. فعدت إلى صاحبي وقلت له لم أجد البواب فابتسم إلي قائلا ها هو ذا أمامك وكان هو الرجل الذي تصورته أحد اللوردات. فأخذت ملابسي منه وصعدت إلى غرفتي وفتحت الأوراق التي لفت بها فتصورت لأول وهلة أنها ليست ملابسي وأنها أعطيت لي بطريق الخطأ، من فرط ما ظهر عليها من البياض الناصع وكأنها جديدة لم تمسها يد، تم تبين لي أنها ملابسي. وقبل الذهاب إلى المدرسة قمت في جولة في المدينة وقد افتقدت المقاهي المنتشرة على الأرصفة التي شاهدتها في باريس. والمدينة ميناء بحري مشهور في جنوب البلاد ومنها انطلقت الهجرات الأولى إلى الدنيا الجديدة بعد اكتشاف أمريكا.
والفندق الذي نزلت فيه من الفنادق الأولى في المدينة ولكنه كباقي الفنادق الإنجليزية في ذلك الوقت فالحمامات فيه خارج الغرف وتجلب لك الخادمات في الصباح ماء غسل الوجه بجرة وحوض من الصين وتساعدك في سكب الماء.
الالتحاق بالمدرسة
وغادرت الفندق متوجها إلى المدرسة بواسطة التاكسي وعند الوصول استقبلني السكرتير وحياني ببعض الكلمات العربية وكانت مفاجأة لي واخبرني انه اشتغل خلال فترة الحرب العالمية الأولى في العراق مع القوة الجوية البريطانية وفي مطار الشعيبة بالذات القريب من البصرة. وكان استقباله لي وديا ثم أخذني إلى رئيس المدرسة وقدمني إليه فاستقبلني بنفس الأسلوب الودي وانطلق معي في الحديث وقال لي انه كان قائدًا للسلاح الجوي البريطاني في أحد القواعد على حدود الهند الشمالية الغربية وقال انه خدم أيضًا لبعض الوقت في العراق وقد تقاعد مؤخرًا وكان برتبة عميد جو GROUP CAPTAIN ثم أخذني السكرتير إلى المحاسب وتمت معاملة التسجيل وأرشدوني إلى الغرفة المخصصة لي في أحد (البلوكات) المعدة للسكن وتقع المدرسة في موقع ملحق بالمطار وتتألف من عدة بنايات. جميعها من طابق واحد منها المكاتب والورش المخصصة للتدريب العملي