الحمامات فكانت قريبة منها. كما كان لكل مجموعة من الغرف مراسل BATMAN بنفس الطريقة المتبعة في سكن الضباط في الجيش وهو المسئول عن نظافة الغرفة وما يتبع ذلك.
وكنت أدفع مقابل الطعام والسكن اثني عشر جنيها إسترلينيا في الشهر وكان معي في المدرسة بعض الطلبه الهنود واخبروني بأنهم يسكنون عند بعض العائلات الساكنة بالقرب من المدرسة ويدفعون لأكلهم ونومهم خمسة جنيهات شهريا! وقد دعوني لازور أماكنهم وفعلًا قمت بذلك وأقنعوني بأن انتقل إلى بيت مجاور لهم وبنفس التكاليف وجئت إلى محاسب المدرسة وأخبرته بما قررت وأخذت أمتعتي وذهبت. واستقبلتني صاحبة البيت الذي كان على الطراز الريفي الإنجليزي وأرشدتني إلى الغرفة وتوابعها وكانت قد تجاوزت السبعين من عمرها ومعها ابنتها العانس التي قد قاربت الخمسين بجسمها المترهل ووجهها المستدير ذي الحمرة القرمزية.
وجاء وقت الغذاء فذهبت إلى غرفة الطعام التي هي جزء من غرفة الجلوس وجلست وحدي انتظر حتى جاءت الآنسة العانس تحمل الخبز وقليلًا من الزبد ثم ذهبت وجاءت بصحن فيه قطعة من لحم البقر مع الخضار وكان من الخس المسلوق، ثم عادت تحمل قليلا من الفاكهة المعلبة وبس! وحاولت أن أجد المبررات لهذه الوجبة (الحافة) على أساس أن الأوربيين لا يهتمون كثيرًا بوجبة الغذاء بسبب قصر فترة الراحة عندهم حيث يواصلون العمل بعد ذلك. وذهبت إلى المدرسة لحضور المحاضرات وعدت في المساء وكانت برودة غرفة النوم لا تحتمل فأخبرت صاحبة البيت بذلك ثم جاءتني ابنتها حاملة بعض الأخشاب وأوقدت المدفأة وتبدل جو الغرفة قليلا وبعد لحظات دعوني لتناول العشاء. الذي بدأ بالشوربة وكانت من الخضار المسلوق الذي لم أجد لها طعما تلتها قطعة من لحم الدجاج مع البطاطة المسلوقة ثم جاءت العجوز تسأل إذا كان كل شييء على ما يرام!
وصعدت إلى غرفة النوم فوجدت النار قد خمدت وأصبحت الرياح الباردة تتسرب من الموقد فعادت بي الذكريات إلى غرفتي والتدفئة المركزية وموائد الطعام الدسمة، وقهقهات الكابتن آدم ومزاح الزملاء على المائدة وأحاديثهم الشيقة.
ويا صبح أصبح حيث لم أذق طعم النوم الهادئ الذي تعودت عليه في تلك الغرفة المريحة. وعند الصباح أخبرت ربة البيت بعزمي على المغادرة وقلت سأعود لدفع الحساب واستلام أمتعتي. وهرولت مسرعًا إلى المدرسة لألحق على وجبة الإفطار لأملأ معدتي الخاوية بذلك الفطور الدسم الذي لو عددت سعراته الحرارية لكانت كافية لسد حاجة الجسم طول النهار ولا حاجة بي لذكر التفاصيل فالفطور الإنجليزي له شهرته العالمية. وأخذت مكاني على المائدة بين الزملاء الذين سألوني عن سبب غيابي فأبديت لهم بعض الأعذار تفاديا للإحراج.
بعد ذلك ذهبت مسرعا لغرفة المحاسب وسألته عن غرفتي وهل لازالت فارغة ولم يستلمها أحد فسألني عن السبب فأخبرته برغبتي في العودة ولحسن الحظ عدت للغرفة نفسها. وقد استخلصت من هذه التجربة القصيرة دروسًا وعبرًا كثيرة منها أنه من السهل على الإنسان أن يرقى إلى ما هو أحسن ولكن من الصعب عليه أن ينزل إلى ما هو أدق.