في تلك الأيام الكالحة وقعت معركة"الجهراء"وسبقتها بأشهر قليلة معركة"حمض"التي هاجم فيصل الدويش زعيم قبيلة مطير القوات الكويتية التي كانت معسكرة بالقرب من"حمض"وهو المكان الذي سميت باسمه المعركة، وكانت القوات الكويتية تحت قيادة الشيخ دعيج بن سلمان الصباح وكان نتيجة ذلك الهجوم أن خسرت الكويت الكثير من الأغنام والإبل نهبتها القوات الغازية، ومن أسباب هذه المعركة الخلاف على الحدود ومناطق النفوذ القبلي.
بعد معركة"حمض"أمر الشيخ سالم الصباح حاكم الكويت في ذلك الوقت ببناء سور حول مدينة الكويت وهو السور الثالث حيث سبقه سوران في الماضي تم هدمهما نتيجة للتوسع الذي طرأ على المدينة كما أن هذا السور الثالث تم هدمه في عام 1957 ولحسن الحظ فقد بقيت البوابات الخمس ترمز إلى ذلك السور الذي تم البدء بإنشائه في شهر رمضان من عام 1338هـ الموافق شهر مايو (أيار) من عام 1920م.
وقد شاركت في البناء جميع طبقات الشعب الكويتي تطوعًا، ولأن العمل بدأ في شهر رمضان فكان البناء يبدأ ليلًا بعد صلاة العشاء، فكانت الناس تخرج على شكل تجمعات من كل حي من أحياء المدينة حاملة معها عدة البناء ومياه الشرب وأدوات الشاي والقهوة وتتجه تلك المسيرات نحو موقع السور حيث تعرف كل جماعة مكان عملها، وكنا نحن الأطفال نتبع تلك التجمعات فرحين بهذه المناسبة الفريدة وبذلك المنظر الرائع لأولئك الرجال بصفوفهم المتراصة رافعين الرايات ومرددين الأهازيج والأغاني الحماسية منسجمة مع قرع الطبول ولعلعة الرصاص مع رقصات الحرب المسماة (العرضة) ، لقد كان في ذلك المنظر الرائع لتلك التجمعات أو ذلك المهرجان العفوي ما يكفي لإثارة المشاعر عند كافة طبقات الشعب، ثم كان ذلك التلاحم والوقوف وقفة رجل واحد أمام الشدائد والأزمات في تلك الأيام الصعبة، وقد استمر البناء طيلة شهر رمضان والأشهر التي تلت واكتمل البناء في شهر سبتمبر (أيلول) من ذلك العام. أما معركة الجهراء التي نحن بصددها فقد بدأت في العاشر من شهر أكتوبر من ذلك العام وانتهت يوم الثاني عشر منه بانسحاب قوات فيصل الدويش باتجاه الصبيحية (للمزيد من المعلومات عن معركة الجهراء وأسبابها يرجى مراجعة كتابنا"معركة الجهراء - ما قبلها وما بعدها"الذي صدر عام 1980، وعلى ذكر هذه المعركة وأمثالها من معارك تلك الأيام فقد أصبحت في ذمة التاريخ ولا يجوز قياس أحداثها ومسبباتها بمقاييس هذه الأيام. فتلك المنازعات القبلية انبثقت من طبيعة الصحراء وتقاليدها وشح الطبيعة وقسوتها. وقد انتهت تلك الأحداث إلى غير رجعة بعد أن استطاع الملك الراحل عبدالعزيز آل سعود في بسط سيطرته على البادية والقضاء على التمرد والعصيان بما أوتي من دهاء وذكاء وحكمة وبعد نظر فوحد المملكة ووضع أسس الدولة الحديثة التي ساعدت ثروتها من النفط على سرعة نموها وازدهارها) .
الانتقال من الكتَّاب (المطوع) إلى المدرسة
كانت الكتاتيب منتشرة في جميع أحياء الكويت منذ القدم، منها وهو الأكثر مخصص للأولاد والبعض الآخر للبنات، أما أول مدرسة فكانت المباركية فقد تم فتحها في سنة 1911 - 1912م في عهد