فهرس الكتاب
فالمعاملات جميعها تتم باللغة الإنجليزية وبنفس الأساليب المتبعة في الدوائر الهندية أو الإنجليزية ناهيك عن الدقة والانضباط في سير المعاملات على كافة المستويات.
وفي الحق والإنصاف القول بأن المدير العام المذكور واسمه (الكولونيل وارد) ( Colonel Ward) كانت لديه نزعة إصلاحية إعمارية للبصرة بصورة عامة ومنطقة المعقل بصورة خاصة التي انشأ فيها المرافق العامة مثل الطرق والحدائق وبناء المنازل الفاخرة لكبار الموظفين ودار للضيافة ولم يكن لذلك مثيل في العراق في تلك الأيام -أقصد في العشرينات وأوائل الثلاثينات- كما ساعد على إيصال الماء والكهرباء إلى المنازل لمدينة البصرة في العشرينات ثم أوصلها إلى ناحية الزبير في الثلاثينات. وكان يحب البصرة ويتعاطف مع أهلها. ومع مرور الزمن بدأ بتعيين الشباب البصري المثقف بالوظائف والمراكز الهامة.
اقتحام الحصن المنيع
عدت إلى البصرة من الكويت في صيف 1934 وأنا مصمم أن أجد لي عملًا في حدود اختصاصي أن أمكن وبدأت استفسر واسأل عن موضوع إنشاء المطار الدولي الذي قررت إدارة الميناء إنشاؤه فتأكد لي الأمر ولذا قررت الذهاب إلى إدارة الميناء وتخطيت حاجز الخجل الذي اعترف بأنه راسخ في طبيعتي وفي تكويني وسألت عن مكتب المدير العام فقيل لي انه في الطابق العلوي من ذلك البناء الذي كان يتألف من طابقين أرضي وعلوي واقتربت من غرفة المعاون الشخصي للمدير العام وأنا أتعثر في خطواتي واسمه (المستر بن) فدخلت عليه وأنا اشعر بهيبة المكان وكان مشغولًا بمراجعة بعض الأوراق أمامه ثم رفع رأسه وسألني بالمصطلح الإنجليزي المعتاد What can I do for you أو أي خدمة كما يقول إخواننا المصريين. فقلت له دون تردد إني قادم من إنجلترا وأني أحمل إجازة طيران مدني وأفتش عن عمل. ورفع نظارات القراءة عن عينيه وبدأت نظراته المستغربة لي وفي هذه الأثناء أخرجت الشهادة أو الإجازة من جيبي فاستلمها مني وألقى نظرة عليها كأنه يريد التأكد من صحتها ثم رفع رأسه ونظر إلي نظرة فاحصة فيها شيء من الاستغراب وأشار إلي بالجلوس ثم نهض من كرسيه ودخل على المدير العام من باب المكتب الذي بداخل غرفته وأخذ معه الشهادة. وبعد لحظات رجع وأشار إلي بالتوجه نحو المدير العام الذي استقبلني ببشاشة لم أكن أتوقعها من ذلك الرجل الذي كنت اسمع عن أهمية مركزه وسلطته التي تتحدى في كثير من الحالات السلطة في بغداد.
وقال لي بلهجة فيها كثير من العطف واللطف"اجلس يا ولدي وحدثني عن رحلتك إلى إنجلترا"، وبعد هذا الترحيب الحار عادت الطمأنينة إلى نفسي وبدأت أتكلم معه بحرية شارحًا باختصار شيئًا عن مكان وزمان الدراسة وكنت ألاحظ على وجهه علامات الرضا. لقد قدرت أنه كان في الخمسينات من عمره مربوع القامة يميل إلى القصر كثيف شعر الرأس الذي تخلله الشيب يلبس بدلة بيضاء ناصعة البياض مؤلفة من بنطلون وقميص قصير الأكمام وبرزت ذراعاه المطرزة بالوشم على طريقة رجال البحر. وبعد أن استمع إلى حديثي قال أنا أحب"الطيران وأود أن أتعلمه ولكن سني لا"