فهرس الكتاب
بأصنافها المختلفة وكيفية رصفها كل نوع على حدة ثم اخبرني عن دوامهم الذي هو ساعة أبكر من دوام مكاتب الميناء ومدته أطول وطلب مني الحضور في اليوم الثاني ابتداء من الساعة السادسة صباحا. وغادرت المكان وأنا اشعر بشيء من الثقة والاطمئنان لأني على أي حال وجدت عملًا.
وأعود لأذكر شيئا عن بناية الميناء الفخمة التي دخلتها ذلك اليوم لأول مرة فالداخل إليها يرى الفرق العظيم في النظام والترتيب كما يشاهد وهو يتجول في أقسامها نظافة المكان وجدية العمل عند الموظفين، وكانت جميع المعاملات تجري باللغة الإنجليزية ولذلك فقد كنت الغالبية العظمى من الموظفين من الهنود واليهود والمسيحيين الذين تعلموا اللغة الإنجليزية في مدارسهم الخاصة، كما ذكرت، وغالبية رؤساء الأقسام كانوا من البريطانيين. وكان منظر البناية من الداخل وأسلوب التجميل (الديكور) لما فيه من مواصفات البحرية في نوعية السلالم الخشبية المكسوة بالنحاس أو البرونز والحبال الضخمة التي تفصل بعض الأقسام عن بعضها ولباس الفراشين الذي يشبه لباس الجنود البحارة وهكذا.
العمل بمرتب لأول مرة
وحسب الاتفاق مع مدير المخزن أو (الشبره) الأرمني حضرت في اليوم الثاني في الوقت المقرر ورأيت بعض الموظفين يتابعون الحمالين الذي يجملون البضاعة النازلة من الباخرة على ظهورهم ويرشدونهم إلى مكان رصفها، كل بضاعة بنوعها فالشاي في مكان والسكر في مكان وهكذا ثم تأتي علامات التجار أي (ماركاتهم المسجلة) فالتاجر الفلاني له ألف كيس وعلامته كذا .. توضع في مكان خاص حتى لا تمتزج مع أكياس السكر العائدة للتاجر الآخر. وهكذا مع كل بضاعة وعلامات أصحابها وكان العمل شاقا ومتعبا لا سيما مع أولئك العمال البؤساء الذين يحاولون التخلص من الأثقال التي على ظهورهم بأسرع وقت ممكن. وما هي إلا فترات حتى اصبح الجو داخل المخزن لا يطاق بسبب شدة الحر والرطوبة والغبار المتصاعد من كثرة الحركة على أرضية المخزن الترابية ولم تنته فترة الدوام حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر (كان الدوام على الأرصفة في فصل الصيف يبدأ في السادسة وينتهي في الثالثة بعد الظهر مع استراحة قصيرة للغداء قدرها نصف ساعة. أما الدوام في المقر الرئيسي للميناء فكان ثمان ساعات) إلا وأنا في غاية التعب والإرهاق وقد امتزج العرق بالغبار من كثرة الحركة والركض وراء الحمالين!
وبقي الحال على هذا المنوال قرابة خمسة عشر يوما، ذهبت بعدها إلى السيد رجب وقلت له لقد مر علي الآن ما يقارب الأسبوعين واعتقد انه حان الوقت لكي انتقل إلى المرحلة الثانية من أعمال الميناء. وقد رد على بقوله ان أمر نقلي ليس بيده بل انه بيد مدير النقليات (الكابتن بايفورد) والواقع أني بوقتها لم أدرك مدى جدية هذا العذر وكنت أتصور انه كان المسئول المباشر عني وكان جوابي له قبول استقالتي فلم يتردد في قبولها. وعدت في اليوم الثاني واستلمت مستحقاتي من أجور. وكنت مسجلا على النظام اليومي، أي الأجور اليومية ولذا لم أقدم استقالة مكتوبة ولم يكن تعييني مكتوبا أيضًا. وأتذكر أن أجرتي اليومية كانت حوالي (450) فلسا وهو مبلغ لا بأس به في تلك الأيام إذا علمنا أن أجرة العامل في الميناء كانت (35) فلسا في اليوم! وكانت المرة الأولى في حياتي