فهرس الكتاب
من المناسب أن أتقدم إلى الوظيفة الشاغرة حيث أني الوحيد المؤهل لهذه الوظيفة. بعد أن استقال منها الاثنان اللذان ذكرتهما.
البحث عن وظيفة في بغداد
وبعد اطلاعي على هذه المعلومات وتأكدي من وجود الشاغر ازداد تفاؤلي بالحصول على هذه الوظيفة بموجب مفاهيمي الساذجة على أساس قاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب! شيء واحد كان ينقصني وهو أني لا املك طيارة أسوة بالجماعة اللذين استقالا علما بأن اعز أمنياتي في تلك الأيام هي ان تكون عندي واحدة. ولكن العين بصيرة واليد قصيرة! كذلك من تحرياتي علمت أن إدارة المطار تتبع وزارة المواصلات التي أحالت أمر إدارته إلى مديرية البرق والبريد العامة بسبب وجود قسم لإدارة اللاسلكي من بين أجهزة المطار.
وكان مدير البرق والبريد العام رجل من رجال الرعيل الأول واسمه الدكتور فائق شاكر وكان مديرا للشئون الطبية في الجيش العراقي في وقت من الأوقات كما انه رجل تتمثل فيه طيبة القلب وحب الخير وميل للمرح. أما كيف يمكن أن يكون الطبيب مديرا عاما للبرق والبريد فهذا يعود إلى منطق الحكم في تلك الأيام. وذهبت إلى الرجل في مكتبه واستقبلني استقبالا طيبا وأخبرته بالغاية التي جئت من اجلها واطلع على الشهادة التي معي فاتصل بمكتب وزير المواصلات الذين لم يكن بعيدا عنه في بناية السراي. ثم ذهبنا إلى الوزير وكان اسمه عباس مهدي وكانت المقابلة قصيرة وعند خروجنا قال لي المدير العام تعال لي بعد بكرة فشكرته على حسن المقابلة التي لقيتها منه وانصرفت وقد تضاعف أملي بالحصول على الوظيفة. وبدأت اعد الساعات والدقائق ولكن كما يقول المثل: تقدرون وتضحك الأقدار.
وذهبت إلى الرجل الطيب في الوقت المحدد وعندما دخلت لاحظت على وجهه ابتسامة فاترة. ثم قال لي حاولت أن أساعدك يا ابني ولكن .. وخرجت من عنده صفر اليدين وبدأت أتساءل مع نفسي وأقول الوظيفة الشاغرة موجودة وهي وظيفة فنية وقد شغلها قبلي اثنان من الطيارين وأنا متأكد أن ليس هناك ثالث غيري يحمل المؤهلات المطلوبة في ذلك الوقت فما الذي حدث؟
وبدأت استشف واسأل واستقصي وتكونت عندي بعد فترة المعلومات الآتية. كانت تلك السنة 1934 سنة تقشف وضغط على المصاريف بسبب الضائقة المالية الشاملة وقد بدأت الحكومة العراقية الاستغناء عن بعض الموظفين وسنوا قانونا سموه قانون (الذيل) وأظنه جاء تفسيرا لبعض قوانين الخدمة والذي أعطي الوزراء صلاحية إحالة الموظفين على التقاعد إذا بلغوا السن القانونية أو قاربوها وكذلك فصل الموظف بموجب أمر يصدره الوزير. وكان على وزارة الأشغال شخص معروف بجديته وصرامته اسمه ارشد العمري وهو من أبناء مدينة الموصل. وقد استغنى عن الكثيرين من موظفي الوزارة لا سيما أصحاب الرواتب العالية. ومن الذين شملهم الفصل رجل مسيحي اسمه (بيير لورانس) ويرتبط هذا الرجل بصلة صداقة أو قرابة مع وزير المالية وهو مسيحي أيضا واسمه (يوسف غنيمة) . والظاهر أن الجماعة عرفوا بالشاغر الموجود واتصلوا بيوسف غنيمة الذي بدوره