الصفحة 8 من 74

ما استدللتم به من حديث مسلم عن السيدة عائشة , فإنه يحمل على القول بأن الوفرة أطول من اللمة التي هي ما ألم بالمنكبين من الشعر, وعلى هذا فلا إشكال , لأن ما نزل عن المنكبين طويل طولًا يحصل به المقصود.

وأما إذا حمل على القول الصحيح المعروف عند أهل اللغة من أن الوفرة لا تجاوز الأذنين , فالجواب على هذا أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قصرن رؤوسهن بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهن كن يتجملن له في حياته , ومن أجمل زينتهن شعرهن , أما بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فلهن حكم خاص بهن لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض , وهو انقطاع أملهن انقطاعًا كليًا من التزويج , ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع فهن كالمعتدات المحبوسات بسببه - صلى الله عليه وسلم - إلى الموت , واليأس من الرجال بالكلية قد يكون سببًا للترخيص في الإخلال بأشياء من الزينة لا تحل لغير ذلك السبب (61) .

وقال القاضي عياض: والمعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب , ولعل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلن هذا بعد موته , لتركهن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعور لذلك وتخفيفًا لمؤونة رؤوسهن (62) .

ويرد على هذا , بأنه ليس في الأقوال السابقة أي دليل على عدم جواز القص وإنما تدل على ترك زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - للزينة والتجمل , ولا أظن أن زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - وهنّ من هنّ في الورع والتقوى يفعلن أمرًا محرمًا , فدل على أن الأصل في التقصير الإباحة.

وإذا كانت عادة نساء العرب اتخاذ القرون والذوائب , وأنها تعتبر من الجمال والزينة , والعادات تختلف باختلاف الأزمان , فإن تقصير الشعر في زمننا يعتبر من الجمال والزينة , وكثير من الرجال يطلبنه من زوجاتهم , وما دام هذا العرف لا يخالف الشرع فهو حسن.

الترجيح:

يبدو لي - والله أعلم - أن القول بجواز تقصير المرأة شعرها هو الراجح , وذلك لدلالة حديث مسلم , إلا أنه يمكن أن يقيد الحكم ويضبط ببعض القيود والضوابط الشرعية منها: ألا يكون فيه تشبه بالرجال لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت