الصفحة 21 من 82

وقال الحسن البصري: أن عمر مر علي مزبلة ووقف عندها وقال لأصحابه وقد تأذوا منها: قال هذه دنياكم التي تحرصون عليها.

ولذلك قال الشاعر

خذ من الرزقِ ما كفى ومن العيشِ ما صفى

كلُّ هذا سينقضي كسراجٍ إذا انطفى

قال بعض السلف: ما من حَبرةٍ إلا يتبعها عبرة، وما كان ضَحِك في الدنيا إلا كان بعده بكاء، ومن عرف الدنيا حق معرفتها حقرها وأبغضها.

ولما علم أهل الفضل والنهى أن الله عز وجل قد أهان الدنيا ولم يرضها جزاء لأوليائه، وأنها عنده حقيرة ذليلة، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زهد فيها، وحذر أصحابه من فتنتها، أكلوا منها قليلًا، وقدموا كثيرًا، وأخذوا منها ما يكفي وتركوا ما يلهي، لبسوا من الثياب ما ستر العورة، وأكلوا من الطعام ما سد الجوعة، نظروا إلى الدنيا بعين فاحصة، فعلموا أنها فانية، وإلى الآخرة فعلموا أنها باقية، فتزودوا من الدنيا كزاد الراكب وما بقي عمروا به الآخرة، ثم تفكروا مليًا في أمر الآخرة فارتحلوا إليها بقلوبهم قبل أن ترتحل إليها أبدانهم.

إن لله عبادًا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا إليها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا

جعلوها لجةً واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا.

قال علي - رضي الله عنه: إن الدنيا أدبرت، وإن الآخرة أقبلت، ولكل بنون، فكونوا من أبناء الآخرة و لا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدًا حساب ولا عمل.

قال يحي بن معاذ: مسكين ابن آدم لو خاف من النار كما يخاف الفقر لدخل الجنة.

وقال الحسن البصري: من أحب الدنيا وسرته خرج حب الآخرة من قلبه.

وقد سئل مرة من المرات من الفقيه يا أبا سعيد؟ فقال الزاهد في الدنيا الراغب بالآخرة.

إذًا الأمر الأول المعين على تحقيق الزهد هو معرفة حقيقة الدنيا وسرعة زوالها وانقضائها وغصصها وأنكادها.

وصدق ابن عجلان حين قال: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا ولا بسعتها.

ثم قال ابن القيم رحمه الله:

ثانيًا: علمه أن وراءها دارًا أعظم منها قدرًا وأجل خطرًا وهي دار البقاء.

وهذا من أعظم ما يحقق الزهد، أن يوقن الإنسان إيقانًا كاملًا بالجنة، وأن ينظر فيها وفي إقبالها ومجيئها ودوامها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت العظيم بينها وبين هذه الدار الحقيرة.

فإن الإنسان لا يمكن أن يزهد في شيءٍ إلا إذا أيقن أن بعد هذا الشيء، شيء أعظم وأجل.

قال الله تعالى (والآخرة خير وأبقى) فهي خيرات كاملة دائمة، والدنيا خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت