الصفحة 34 من 82

نعم، ولقد أكثر القرآن الكريم من التزهيد في الدنيا، وبيان حقارتها، وسرعة زوالها وانقضائها، وأنها لا بقاء لها ولا لأهلها، وأنها دار الغرور والهموم.

قال تعالى (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) .

قال ابن القيم رحمة الله: فأخبر سبحانه عن خست الدنيا، وزهّد فيها، وأخبر عن دار السلام ودعا إليها.

ويقول سبحانه وتعالى عن مؤمن فرعون أنه قال لقومه (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) .

وقال القرطبي: متاع: أي يتمتع بها قليل ثم تنقطع وتزول. ودار الآخرة هي دار الاستقرار والخلود.

ويقول سبحانه (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. والآخرة خير وأبقى) .

ويقول ابن كثير رحمه الله: أي تقدمونها علي أمر الآخرة و الآخرة خير و أبقى: أي ثواب الله في الدار الآخرة خير و أبقى فالدنيا دانية فانية و الآخرة شريفة باقية .. فكيف يؤثر العاقل ما يفنى على ما يبقى؟

ويقول سبحانه (قل متاع الدنيا قليل) ، لماذا متاع الدنيا قليل؟ لأنه لا بقاء له.

وقد توعد الله سبحانه وتعالى أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا و اطمئن بها: فقال تعالى: (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ. أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) .

وعّير سبحانه بمن رضا بالدنيا من المؤمنين:

فقال سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) .

إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله، جاهدوا في سبيل الله؟

لماذا لا ينفرون؟ السبب في ذلك أنه التعلق بالدنيا وحب الدنيا وعشق الدنيا هو سبب الكسل والتقاعس عن النفور في سبيل الله.

ثانيًا: الدنيا في السنة النبوية:

لقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حقارة الدنيا و حث ورغب بالتزهيد بها و بين لنا الدنيا وحقارتها وخستها وزوالها.

أولًا: حال النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الدنيا:

عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم - (مالي و للدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) .

هكذا كانت الدنيا في نظر الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

فالزهد في الدنيا شعار الصالحين، وعلامة المخلصين، ودليل المتقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت