الصفحة 35 من 82

قال عمرو بن العاص رضي الله عنه (ما أبعد هديكم من هدي نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، إنه كان أزهد الناس في الدنيا و أنتم أرغب الناس فيها) .

ثانيًا: وصى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نكون في الدنيا كالغرباء.

فقال - صلى الله عليه وسلم - لابن عمر (يا ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري وفي رواية (وعد نفسك من أهل القبور) .

هذه وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عمر، وهي في الواقع وصية له وللأمة من بعده رضي الله عنه وأرضاه، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور.

قال الإمام النووي رحمه الله في معنى الحديث (لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا، ولا تحدّث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه) . [كتاب رياض الصالحين]

وقد امتثل ابن عمر لهذه الوصية قولا ً وعملًا:

-فأما القول:

فقد كان يقول - رضي الله عنه: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك.

وصية لابد أن يطبقها وهو أولى الناس بأن يطبق هذه الوصية.

-فأما بالعمل أو الفعل:

فكل من قرأ ونظر في هديه - رضي الله عنه - وأرضاه علم أنه كان على جانب كبير من الزهد فيها والقناعة منها باليسير الذي يقيم صلبه، وما سوى ذلك يقدمه لغدهِ.

يقول جابر رضي الله عنه: ما أدركنا أحد أو قال ما رأينا أحد إلا قد مالت به الدنيا إلا ابن عمر.

وقالت عائشة: ما رأيت أحد ألزم للأمر الأول من ابن عمر.

ثالثًا: مثل الدنيا في الآخرة:

عن المستورد - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) رواه مسلم

يقول النووي رحمه الله: ما للدنيا بالنسبة للآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر.

وهذا حديث عظيم يبين حقارة الدنيا بالنسبة للآخرة وقد سبق معنا قبل قليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) .

رابعًا: هوان الدنيا على الله:

فقد جاء في حديث عند الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على شاة ميتة فقال لأصحابه: أترون لهذه الشاة هينة على أهلها؟ قالوا من هوانها ألقوها، فقال - صلى الله عليه وسلم - (والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها) .

الله أكبر ... هذه الدنيا من أولها إلى آخرها أهون عند الله من هذه الشاة الميتة عند أهلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت