الصفحة 46 من 82

إذًا: مدح الله عز وجل أولئك الأبطال، أولئك الرجال، أولئك العظماء، الذين يتركون الفرش الجميلة، وقاموا سجدًا وقيامًا وركعًا، يصلون الليل، يخافون ربهم خوفًا وطمعًا.

ولذلك قال تعالى (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .

قال ابن كثير: أي فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، لما أخفوا أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب، جزاءً وفاقًا، فإن الجزاء من جنس العمل.

قال الحسن البصري: أخفى قوم عملهم، فأخفى الله لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر.

ولذلك جاء في الحديث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى (أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) متفق عليه.

قال الشاعر:

يا نفسُ قومي فقد نام الورى ... إن تصنعي الخيرَ فذو العرشِ يرى

وأنتِ يا عينُ دعي عنكِ الكرى ... عند الصباحِ يحمد القومُ السُّرَى

ثانيا: قيام الليل من علامات المتقين.

قال تعالى {إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين. كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون} .

فلا يستقر بهم حال، ولا يثبت لهم نوم، ولا يغمض لهم جفن لخوفهم من الوعيد ورجاءهم فيما عند الله من النعيم.

فمن أراد أن يحقق التقوى وأن يكون متقيًا لله فليعمل بأسبابها، ومن أعظم أسبابها قيام الليل، فمن قام الليل وجاهد نفسه وترك الفراش الجميل، وقام بالبرد القارص فإن ذلك من أعظم علامات التقوى.

ولذلك قال بعض العلماء: إنما سموا متقين لأنهم اتقوا ما لا يتقى.

تقوى الله فضلها عظيم (إن للمتقين مفازًا) . (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (ثم ننجي الذين اتقوا) والآيات في هذا كثيرة.

إذًا: من علامات المتقين قيام الليل:

قال الحسن البصري في الآية: لا ينامون من الليل إلا أقله، كابدوا قيام الليل.

قال الأحنف بن قيس: عرضت عملي على أعمال أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا [أي خالفونا] بونًا بعيدًا، لا تبلغ أعمالهم ثم قرأ: كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون.

وفي قوله سبحانه (وبالأسحار هم يستغفرون) قال الرازي في الآية: إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون ثم يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك، وأخلص منه، فيستغفرون من التقصير، وهذه سيرة الكريم: يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ويعتذر من التقصير، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويمن به.

إذًا: ينبغي علينا أن نحرص على هذه العبادة ما دام أن أول صفة بل من أعظم صفات المتقين أنهم لا ينامون من الليل إلا قليلًا.

فأين أولئك الذين يسهرون على المحرمات، ويسهرون على المنكرات، وينامون عن الواجبات، فاحرص أخي المسلم لتكون من المتقين:

يا رجال الليلِ جدوا ... ربَّ داعٍ لا يُرَدُّ

ما يقومُ الليلَ إلا ... مَنْ له عزمٌ وجدُ

ليس شيءٌ كصـ ... لاة الليلِ للقبرِ يُعَدُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت