ثالثًا: قيام الليل: من صفات عباد الرحمن. أولياء الله ومن أسباب دخول الجنة.
يقول تعالى في وصف عباد الرحمن:
(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا أولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) .
فهذه من أعظم صفات عباد الرحمن الخلَّص، الصفوة.
فليلهم خير ليل، سجدًا وقيامًا، طاعة لله وانكسارًا.
فيا سبحان الله: ألا تزيدك هذه الصفة الاجتهاد في قيام الليل والانضمام إلى عباد الرحمن؟؟
ألا تحب أن تتشبه بهؤلاء العظماء - الصفوة - الذين مدحهم الله وأثنى عليهم، بل هم من أوليائه، أولياء الله: الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
يضعون الجباه لله عز وجل الذي خلقهم وأعطاهم وشرفهم، يشكرون الله تعالى على هذه النعمة.
فأين الذين يبيتون على القنوات المحرمة، أو الأفلام الساقطة، أو الألعاب المضيعة للأوقات، ليلهم بالمحرمات ويتركون الواجبات.
فأين المشمر، وأين اللبيب، أين من يرى الموت بدأ يأخذ الناس صغارًا وكبارًا، فاستغَلّ هذه الحياة الدنيا، واستغل ليله في طاعة الله عز وجل قبل هجوم هاذم اللذات.
بلال يناديك من أعلى المنارة --- وأنت نائم في العمارة.
لو أطعت بلال ... لدخلت في مسمى الرجال
(رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) .
كيف لا يقومون وسيدهم - صلى الله عليه وسلم - وإمامهم كان يقوم الليل.
عن عائشة. قالت (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فتقول له: لم تصنع ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فيقول: أفلا أحب أكون عبدًا شكورًا) .
يقوم - صلى الله عليه وسلم - حتى تتفطر قدماه شكرا لهذه النعمة وهي مغفرة الذنوب، إن جزاء من أسدى إليكم معروفًا أن تجتهد في شكره.
وأحق الناس يقوم بذلك هو - صلى الله عليه وسلم -، فكان يقوم الليل شكرًا لربه وطاعة له على نعمه العظيمة التي من أعظمها مغفرة الذنوب ما تقدم منها وما تأخر.
إذًا: الشكر يكون بالقول ويكون بالفعل، فليس الشكر فقط باللسان بل بالفعل، فشكر الله يكون باللسان وأيضًا نشكر الله، بأن نستغل هذه الجوارح بطاعة الله تعالى، سجودًا وطاعة، ذكرًا لله باللسان، وصدقة لوجه الله باليد، وذهابًا إلى المساجد والمحاضرات والدروس بالأرجل.
يقول عبد الله بن رواحه.
وفينا رسول الله يتلو كتابَه ... إذا انشقّ معروفٌ من الصبحِ ساطعٌ
أرانا الهدى بعد العَمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجعُ
رابعًا: وفرق تعالى بين من قام الليل ومن لم يقمه، ممتدحًا صاحب القيام.
فقال تعالى (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) .