الصفحة 48 من 82

كيف يستوي من تحمل مشقة السهر، ومؤنة الوقوف، وآثر على المنام لذة القيام، طمعًا ورجاء بوعد الله ... كيف يستوي هو ومن ضيع ليله نائمًا هائمًا، لم ينشطهُ وعد ولم يخوّفه وعيد.

فيا أخي المسلم، بعد سماعك لهذه الآية ألا تريد أن تكون من أولئك الذين مدحهم الله وأثنى عليهم، يقومون الليل يسجدون، يرجون الآخرة، يرجون وعد الله تبارك وتعالى ويخافون عقابه.

إن القلب الحي هو الذي إذا سمع الآيات تدبر وتفكر وتأمل وخشع وخضع وسمع وأنصت وطبق، نعم، (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) فينبغي على المسلم أن يعرف قيمة هذه الآية، وأن الله لم يسوِّ بين هذا وبين من ضيع ليله، ألا تريد أن تكون من أولئك الأبطال الذين يقضون ليلهم بطاعة الله، فنسأل الله أن نكون ممن وفقوا لتطبيق هذه العبادة والاستفادة والتدبر لآيات القرآن الكريم.

خامسًا: قيام الليل أفضل الصلاة بعد الفريضة.

عن أبي هريرة. قال: قال - صلى الله عليه وسلم - (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) رواه مسلم.

أي صلاة التطوع بالليل أفضل من صلاة التطوع بالنهار، فلو أن شخصًا قال أيهما أفضل أصلى ركعتين تطوعًا لله في الظهر أو في الليل قلنا في الليل أفضل، فهذا معنى الحديث: معناه التطوع المطلق، أما التطوع المقيد فهو أفضل بوقته.

وهنا سؤال يطرح نفسه: ما السبب في أن صلاة الليل أفضل من صلاة النهار؟ اسمع للجواب:

قال ابن رجب: وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار، لأنها أبلغ في الإسرار وأقرب إلى الإخلاص، ولأن صلاة الليل أشق على النفوس، فإن الليلَ محل النومِ والراحة من التعب بالنهار، فترْك النوم مع ميل النفس إليه مجاهدةٌ عظيمةٌ، ولأن القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر، فإنه تنقطع الشواغل بالليل، ويحضر القلب ويتواطأ هو واللسان على الفهم كما قال تعالى (إن ناشئة الليل هي أشد وطئًا وأقوم قيلًا) .

نعم، فصلاة الليل كما قلت: دليل الإخلاص، صلاة الليل دليل المتقين، صلاة الليل دليل الزاهدين، صلاة الليل دليل على أن هذا القلب متعلق بالله تبارك وتعالى، صلاة الليل خَلوة بالله تبارك وتعالى، نعم، خلوة السحر وما أدراك ما خلوة السحر.

خلوة السحر: سكينة النفوس، وطمأنينة القلوب، تنساب فيها دموع المخلصين على خدودهم تترى.

هذه الخلوة، هي والله مدرسة الإخلاص، فيها ينشأ وينمو، وفيها يكبر ويزهو، وبها يُحفظ ويربو، لأنها عبادة غائبة عن أعين الناس، وعن مديح الناس، فلا يقدم عليها إلا مخلص يبتغي بها وجه الله والدار الآخرة، ولذا فإن لها حلاوة أيما حلاوة؟ ولذاذة أيما لذاذة.

فالخالي في الأسحار، بالتبتل والأذكار، والدعوات والاستغفار، لا يشعر بغربةٍ في نفسه، ولا بوحدةٍ في حسه، بل هو في أنس الله يرتع، وفي اجتماعه به ينعم، وبقربه يتسلى، وبحبه يتلذذ، وبمعيته يسعد، وبالخضوع الصادق يتعبد، فخلوة السحر ساعة مباركة، يُكثِّر الله فيها القليل، ويُربي فيها الضئيل، ويجزي على العبادة فيها خيرًا كثيرًا، إنها تعوَّدَ العبد على الصدق مع الله، وعلى عدم التزين للمخلوق، وتشغله بخاصة نفسه، ومطالعة عيبهِ، والاستغفار لذنبه، خلوة السحر تعلم الإنسان الزهد في الدنيا، وتميت الطمع والحرص عليها في قلبه، وتجعله مقبلًا على الله، مدبرًا عن الدنيا، خلوة السحر تورث رقة القلب، ورفق الطبع، والتواضع للخلق، ترغب في العزلة المحمودة، والأنس بالله تبارك وتعالى.

سادسًا: من أسباب دخول الجنة.

ففي حديث عبد الله بن سلام. قال: قال - صلى الله عليه وسلم - (أيها الناس! أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام) رواه الترمذي.

فمن أراد الجنان، فليعمل برضا الرحمن، وليجتهد في استغلال الزمان في كل ما يقرب إلى ذي الجلال والإكرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت