و إن كان شيء يذكر ... فقصة يوسف عليه السلام لما ترك الحرام، لما دعي إلى الحرام لما دعي إلى الفاحشة من امرأة العزيز (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ - يعني سيده صاحب المنزل - إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) . ترك ذلك لله عز وجل عصمه الله من الحرام فكانت العاقبة ما هي أيها الإخوة؟ عوضه الله أن مكّنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء وآتاه الله الملك وأتته المرأة صاغرة سائلة راغبة في الوصل الحلال فتزوجها فلما دخل بها قال: هذا خير مما كنت تريدين.
فتأمل يا أخي المسلم كيف أنه لما ترك الحرام لله عوضه الله خيرًا منه، ولذلك فهو سيد السادة النجباء السبعة الأتقياء المذكورين في الصحيحين من حديثه - صلى الله عليه وسلم - في قوله (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: وذكر إمام عادل ورجل ذكر الله خاليا ًففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) .
هل رأيت يا أخي المسلم؟ من ترك شيئا ً لله عوضه الله خير منه؟
وهذه أم سلمة أيها الأخوة رضي الله عنها فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت لما مات زوجها قالت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخْلف لي خيرًا منها، إلا خلف الله له خيرًا منها، قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة! أول بيت هاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) .
أرأيت أيها المسلم أن من ترك شيئًا لله عوضه الله خير منه , من ترك لطم الخدود، وشق الجيوب، والنياحة وغير ذلك من المنكرات واحتسب مصيبته عند الله واسترجع فإن الله سبحانه يخلفه وهو خير الوارثين.
أيها الناس: إن كثير من الناس تربى على مشاهدة القنوات و المجلات الفاسدة التي فيها المحرمات، لو تذكر هذا الإنسان حينما يترك هذا الشيء لله عز وجل ويقينًا بموعود الله عوضه الله نورًا وانشراحًا وتوفيقًا وقوة وتثبيتًا وحلاوة يحبها في قلبه هي خير من الدنيا وما فيها، لكان ذلك سببًا معينًا لترك هذه المعصية الحقيرة.
نعم .. .. فالله عز وجل كريم أكرم الكرماء يثيب عبده على فعل الطاعات ويثيبه على ترك المنكرات.
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين من حديث أنس (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) .
الإيمان له حلاوة: استلذاذ الطاعات وترك المعاصي والمنكرات.
يقول ابن تيمية رحمه الله (إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحًا فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول) .
فالله عز وجل حينما يأمرنا بالطاعات وقام بها الإنسان فإن الله يثيبه لذة , وانشراحًا , وحلاوة , هي أعظم وأجل من تلك اللذة المحرمة التي لا تتعدى لحظات، وكذلك يثيب الله عز وجل الإنسان إذا ترك المعصية لله عز وجل وتركها خوفًا من الله و إجلالًا لله تبارك وتعالى.
ولذلك ذكر العلماء رحمهم الله من فوائد غض البصر الذي يغض بصره عن المحرمات لله تبارك وتعالى، ذكروا من فوائده أنه يورث القلب نورًا وإشراقًا يظهر في العين و في الوجه كما أن إطلاق البصر يورثه ظلمه تظهر في وجهه وجوارحه.
يقول بعض العلماء (من عمَّر ظاهره بإتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات وأكل من الحلال لم تخطئ فراسته) .